تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
جملة معترضة بين جملة
مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
وبين قوله :
لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ
أو هي حال سببي من المؤمنين ، أي حال كونهم قد علمنا ما نفرض عليهم . والمعنى : أن المؤمنين مستمر ما شرع لهم من قبل في أحكام الأزواج وما ملكت أيمانهم ، فلا يشملهم ما عيّن لك من الأحكام الخاصة المشروعة فيما تقدم آنفا ، أي قد علمنا أن ما فرضناه عليهم في ذلك هو اللائق بحال عموم الأمة دون ما فرضناه لك خاصة . و
ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ
موصول وصلته ، وتعدية
فَرَضْنا
بحرف ( على ) المقتضي للتكليف والإيجاب للإشارة إلى أن من شرائع أزواجهم وما ملكت أيمانهم ما يودّون أن يخفف عنهم مثل عدد الزوجات وإيجاب المهور والنفقات ، فإذا سمعوا ما خص به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من التوسعة في تلك الأحكام ودّوا أن يلحقوا به في ذلك ، فسجل اللّه عليهم أنهم باقون على ما سبق شرعه لهم في ذلك ، والإخبار بأن اللّه قد علم ذلك كناية عن بقاء تلك الأحكام لأن معناه أنّا لم نغفل عن ذلك ، أي لم نبطله بل عن علم خصصنا نبيئنا بما خصصناه به في ذلك الشأن ، فلا يشمل ما أحللناه له بقية المؤمنين . وظرفية
فِي
مجازية لأن المظروف هو الأحكام الشرعية لا ذوات الأزواج وذوات ما ملكته الأيمان .
لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
. تعليل لما شرعه اللّه تعالى في حق نبيئه صلّى اللّه عليه وسلّم في الآيات السابقة من التوسعة بالازدياد من عدد الأزواج وتزوج الواهبات أنفسهن دون مهر ، وجعل قبول هبتها موكولا لإرادته ، وبما أبقى له من مساواته أمته فيما عدا ذلك من الإباحة فلم يضيّق عليه ، وهذا تعليم وامتنان . والحرج : الضيق ، والمراد هنا أدنى الحرج ، وهو ما في التكليف من بعض الحرج الذي لا تخلو عنه التكاليف ، وأما الحرج القوي فمنفي عنه وعن أمته . ومراتب الحرج متفاوتة ، ومناط ما ينفى عن الأمة منها وما لا ينفى ، وتقديرات أحوال انتفاء بعضها للضرورة هو ميزان التكليف الشرعي فاللّه أعلم بمراتبها وأعلم بمقدار تحرج عباده وذلك مبين في مسائل العزيمة والرخصة من علم الأصول ، وقد حرر ملّاكه شهاب الدين القرافي في الفرق الرابع عشر من كتابه « أنواء البروق » . وقد أشبعنا القول في تحقيق ذلك في كتابنا