تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
من النبيئين ميثاقهم بتقوى اللّه وبنبذ طاعة الكافرين والمنافقين وباتباع ما أوحى اللّه به . وقوله
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً
[ الأحزاب : 1 ]
لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً
فلما أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالاقتصار على تقوى اللّه وبالإعراض عن دعوى الكافرين والمنافقين ، أعلم بأن ذلك شأن النبيئين من قبله ، ولذلك عطف قوله
وَمِنْكَ
عقب ذكر النبيئين تنبيها على أن شأن الرسل واحد وأن سنة اللّه فيهم متحدة ، فهذه الآية لها معنى التذييل لآية يا أيها النبي
اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ
[ الأحزاب : 1 ] الآيات الثلاث ولكنها جاءت معطوفة بالواو لبعد ما بينها وما بين الآيات الثلاث المتقدمة . وقوله
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ
الآيتين لهما موقع المقدمة لقصة الأحزاب لأن مما أخذ اللّه عليه ميثاق النبيئين أن ينصروا الدين الذي يرسله اللّه به ، وأن ينصروا دين الإسلام ، قال تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ
النبيئين لما آتيناكم
مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
[ آل عمران : 81 ] فمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بالنصرة لدينه بمن معه من المسلمين لقوله في هذه الآية :
لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً
. وقال في الآية الآتية في الثناء على المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ
الآية [ الأحزاب : 24 ] . وقد جاء قوله :
وَإِذْ أَخَذْنا
من النبيئين ميثاقهم جاريا على أسلوب ابتداء كثير من قصص القرآن في افتتاحها ب
إِذْ
على إضمار ( اذكر ) . و
إِذْ
اسم للزمان مجرد عن معنى الظرفية . فالتقدير : واذكر وقتا ، وبإضافة
إِذْ
إلى الجملة بعده يكون المعنى : اذكر وقت أخذنا ميثاقا على النبيئين . وهذا الميثاق مجمل هنا بينته آيات كثيرة . وجماعها أن يقولوا الحق ويبلّغوا ما أمروا به دون ملاينة للكافرين والمنافقين ، ولا خشية منهم ، ولا مجاراة للأهواء ، ولا مشاطرة مع أهل الضلال في الإبقاء على بعض ضلالهم . وأن اللّه واثقهم ووعدهم على ذلك بالنصر . ولما احتوت عليه هذه السورة من الأغراض مزيد التأثر بهذا الميثاق بالنسبة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وشديد المشابهة بما أخذ من المواثيق على الرسل من قبله . ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى هنا :
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
[ الأحزاب : 4 ] وقوله في ميثاق أهل الكتاب
أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
في سورة الأعراف [ 169 ] . وفي تعقيب أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالتقوى ومخالفة الكافرين والمنافقين والتثبيت على اتّباع ما يوحى إليه ، وأمره بالتوكل على اللّه ، وجعلها قبل قوله
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ