تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
وأما إطلاق وصف خال المؤمنين على الخليفة معاوية لأنه أخو أم حبيبة أم المؤمنين فذلك من قبيل التعظيم كما يقال : بنو فلان أخوال فلان ، إذا كانوا قبيلة أمه . والمراد بأزواجه اللاتي تزوجهنّ بنكاح فلا يدخل في ذلك ملك اليمين ، وقد قال الصحابة يوم قريظة حين تزوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صفية بنت حييّ : أهي إحدى ما ملكت يمينه أم هي إحدى أمهات المؤمنين ؟ فقالوا : ننظر ، فإذا حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين وإذا لم يحجبها فهي ما ملكت يمينه ، فلما بنى بها ضرب عليها الحجاب ، فعلموا أنها إحدى أمهات المؤمنين ، ولذلك لم تكن مارية القبطية إحدى أمهات المؤمنين . ويشترط في اعتبار هذه الأمومة أن يكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بنى بالمرأة ، فأما التي طلقها قبل البناء مثل الجونية وهي أسماء بنت النعمان الكندية فلا تعتبر من أمهات المؤمنين . وذكر ابن العربي أن امرأة كان عقد عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تزوجت في خلافة عمر فهمّ عمر برجمها . فقالت : لم وما ضرب عليّ النبي حجابا ولا دعيت أمّ المؤمنين ؟ فكفّ عنها . وهذه المرأة هي ابنة الجون الكندية تزوجها الأشعث بن قيس . وهذا هو الأصح وهو مقتضى مذهب مالك وصححه إمام الحرمين والرافعي من الشافعية . وعن مقاتل : يحرم تزوج كل امرأة عقد عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولو لم يبن بها . وهو قول الشافعي وصححه في « الروضة » ، واللاء طلّقهن الرسول عليه الصلاة والسلام بعد البناء بهن فاختلف فيهن على قولين ، قيل : تثبت حرمة التزوج بهن حفظا لحرمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل : لا يثبت لهن ذلك ، والأول أرجح . وقد أكد حكم أمومة أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للمؤمنين بقوله تعالى :
وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
[ الأحزاب : 53 ] ، وبتحريم تزوج إحداهن على المؤمنين بقوله [ تعالى ] :
وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً
[ الأحزاب : 53 ] . وسيجيء بيان ذلك عند ذكر هاتين الآيتين في أواخر هذه السورة . وروي أن ابن مسعود قرأ بعدها : وهو أب لهم . وروي مثله عن أبيّ بن كعب وعن ابن عباس . وروي عن عكرمة : كان في الحرف الأول « وهو أبوهم » . ومحملها أنها تفسير وإيضاح وإلا فقد أفاد قوله تعالى : النبي
أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
أكثر من مفاد هذه القراء .
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً
.