تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
[ 26 ]

[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 26 ]

أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ( 26 ) عطف على جملة
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها
[ السجدة : 22 ] ، ولما كان ذلك التذكير متصلا كقوله
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ
[ السجدة : 10 ] كان الهدي ، أي العلم المستفهم عنه بهذا الاستفهام شاملا للهدي إلى دليل البعث وإلى دليل العقاب على الإعراض عن التذكير فأفاد قوله
كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ
معنيين : أحدهما : إهلاك أمم كانوا قبلهم فجاء هؤلاء المشركون بعدهم ، وذلك تمثيل للبعث وتقريب لإمكانه . وثانيهما : إهلاك أمم كذبوا رسلهم ففيهم عبرة لهم أن يصيبهم مثل ما أصابهم . والاستفهام إنكاري ، أي هم لم يهتدوا بدلائل النظر والاستدلال التي جاءهم بها القرآن فأعرضوا عنها ولا اتعظوا بمصارع الأمم الذين كذبوا أنبياءهم وفي مهلكهم آيات تزجر أمثالهم عن السلوك فيما سلكوه . فضمير
لَهُمْ
عائد إلى المجرمين أو إلى من ذكّر بآيات ربه . و
يَهْدِ
من الهداية وهي الدلالة والإرشاد ، يقال : هداه إلى كذا . وضمن فعل
يَهْدِ
معنى يبيّن ، فعدي باللام فأفاد هداية واضحة بينة . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ
في سورة [ الأعراف : 100 ] . واختير فعل الهداية في هذه الآية لإرادة الدلالة الجامعة للمشاهدة ولسماع أخبار تلك الأمم تمهيدا لقوله في آخرها
أَ فَلا يَسْمَعُونَ
، ولأن كثرة ذلك المستفادة من
كَمْ
الخبرية إنما تحصل بترتيب الاستدلال في تواتر الأخبار ولا تحصل دفعة كما تحصل دلالة المشاهدات . وفاعل
يَهْدِ
ما دلت عليه
كَمْ
الخبرية من معنى الكثرة . ولا يجوز عند الجمهور جعل
كَمْ
فاعل
يَهْدِ
لأن
كَمْ
الخبرية اسم له الصدارة في الاستعمال إذ أصله استفهام فتوسع فيه . ويجوز جعل
كَمْ
فاعلا عند من لم يشترطوا أن تكون
كَمْ
الخبرية في صدر الكلام . وجوز في « الكشاف » أن يكون الفاعل جملة
كَمْ أَهْلَكْنا
على معنى الحكاية لهذا القول ، كما يقال : تعصم ( لا إله إلا اللّه ) الدماء والأموال ، أي هذه الكلمة أي النطق بها لتقلد الإسلام . ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الجلالة دالا عليه المقام ، أي ألم يهد
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 170 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور