تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
قبض روحه . وفيه إبطال لجهلهم بأن الموت بيد اللّه تعالى وأنه كما خلقهم يميتهم وكما يميتهم يحييهم ، وأن الإماتة والإحياء بإذنه وتسخير ملائكته في الحالين . وذلك إبطال لقولهم
ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا
[ الجاثية : 24 ] فأعلمهم اللّه أنهم لا يخرجون عن قبضة تصرفه طرفة عين لا في حال الحياة ولا في حال الممات . وإذا كان موتهم بفعل ملك الموت الموكل من اللّه بقبض أرواحهم ظهر أنهم مردودة إليهم أرواحهم متى شاء اللّه . والتوفّي : الإماتة . وتقدم في قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ
في سورة الأنعام [ 60 ] ، وقوله :
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ
في سورة الأنفال [ 50 ] . وملك الموت هو الملك الموكّل بقبض الأرواح وقد ورد ذكره في القرآن مفردا كما هنا وورد مجموعا في قوله :
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ
في سورة الأنفال [ 50 ] ، وقوله :
تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا
في سورة الأنعام [ 61 ] ، وذلك أن اللّه جعل ملائكة كثيرين لقبض الأرواح وجعل مبلّغ أمر اللّه بذلك عزرائيل فإسناد التوفّي إليه كإسناده إلى اللّه في قوله
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
[ الزمر : 42 ] ، وجعل الملائكة الموكلين بقبض الأرواح أعوانا له وأولئك يسلمون الأرواح إلى عزرائيل فهو يقبضها ويودعها في مقارها التي أعدها اللّه لها ، ولم يرد اسم عزرائيل في القرآن . وقيل : إن ملك الموت في هذه الآية مراد به الجنس فتكون كقوله
تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا
[ الأنعام : 61 ] . [ 12 ]

[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 12 ]

وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) أردف ذكر إنكارهم البعث بتصوير حال المنكرين أثر البعث وذلك عند حشرهم إلى الحساب ، وجيء في تصوير حالهم بطريقة حذف جواب
لَوْ
حذفا يرادفه أن تذهب نفس السامع كل مذهب من تصوير فظاعة حالهم وهول موقفهم بين يدي ربهم ، وبتوجيه الخطاب إلى غير معيّن لإفادة تناهي حالهم في الظهور حتى لا يختصّ به مخاطب . والمعنى : لو ترى أيها الرائي لرأيت أمرا عظيما . و
الْمُجْرِمُونَ
هم الذين قالوا
أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ السجدة : 10 ] ، فهو إظهار في مقام الإضمار لقصد التسجيل عليهم بأنهم في قولهم ذلك مجرمون ، أي آتون بجرم وهو جرم تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وتعطيل الدليل .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 154 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور