تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
نودي وهو مضاف إلى ياء المتكلم حذفت ياء المتكلم لجواز حذفها في النداء وكراهية تكرر الأمثال ، وأشير إلى الياء المحذوفة بإلزامه الكسر في أحوال الإعراب الثلاثة لأن الكسرة دليل على ياء المتكلم . وتقدم في سورة يوسف . والتصغير فيه لتنزيل المخاطب الكبير منزلة الصغير كناية عن الشفقة به والتحبب له ، وهو في مقام الموعظة والنصيحة إيماء وكناية عن إمحاض النصح وحب الخير ، ففيه حث على الامتثال للموعظة . ابتدأ لقمان موعظة ابنه بطلب إقلاعه عن الشرك باللّه لأن النفس المعرضة للتزكية والكمال يجب أن يقدم لها قبل ذلك تخليتها عن مبادئ الفساد والضلال ، فإن إصلاح الاعتقاد أصل لإصلاح العمل . وكان أصل فساد الاعتقاد أحد أمرين هما الدهرية والإشراك ، فكان قوله
لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ
يفيد إثبات وجود إله وإبطال أن يكون له شريك في إلهيته . وقرأ حفص عن عاصم في المواضع الثلاثة في هذه السورة
يا بُنَيَّ
بفتح الياء مشددة على تقدير : يا بنيّا بالألف وهي اللغة الخامسة في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ثم حذفت الألف واكتفي بالفتحة عنها ، وهذا سماع . وجملة
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
تعليل للنهي عنه وتهويل لأمره ، فإنه ظلم لحقوق الخالق ، وظلم المرء لنفسه إذ يضع نفسه في حضيض العبودية لأخس الجمادات ، وظلم لأهل الإيمان الحق إذ يبعث على اضطهادهم وأذاهم ، وظلم لحقائق الأشياء بقلبها وإفساد تعلقها . وهذا من جملة كلام لقمان كما هو ظاهر السياق ، ودل عليه الحديث في « صحيح مسلم » عن عبد اللّه بن مسعود قال : لما نزلت
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ الأنعام : 82 ] شق ذلك على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا : أينا لا يظلم نفسه ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه
يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
. وجوّز ابن عطية أن تكون جملة
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
من كلام اللّه تعالى ، أي : معترضة بين كلم لقمان . فقد روي عن ابن مسعود أنهم لما قالوا ذلك أنزل اللّه تعالى
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
، وانظر من روى هذا ومقدار صحته . [ 14 - 15 ]

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 14 إلى 15 ]

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 15 )
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 101 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور