تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
وقوله :
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
مناسب لكلا الجملتين . واللغو : الكلام العبث والسفه الذي لا خير فيه . وتقدم في قوله تعالى :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً *
في سورة مريم [ 62 ] . ومعنى المرور به المرور بأصحابه اللاغين في حال لغوهم ، فجعل المرور بنفس اللغو للإشارة إلى أن أصحاب اللغو متلبسون به وقت المرور . ومعنى :
مَرُّوا كِراماً
أنهم يمرون وهم في حال كرامة ، أي غير متلبسين بالمشاركة في اللغو فيه فإن السفهاء إذا مروا بأصحاب اللغو أنسوا بهم ووقفوا عليهم وشاركوهم في لغوهم فإذا فعلوا ذلك كانوا في غير حال كرامة . والكرامة : النزاهة ومحاسن الخلال ، وضدها اللؤم والسفالة . وأصل الكرامة أنها نفاسة الشيء في نوعه قال تعالى :
أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ *
[ الشعراء : 7 ] . وقال بعض شعراء حمير في « الحماسة » :
ولا يخيم اللقاء فارسهم * حتى يشقّ الصفوف من كرمه
أي شجاعته ، وقال تعالى :
وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً
[ الأحزاب : 44 ] . وإذا مر أهل المروءة على أصحاب اللغو تنزهوا عن مشاركتهم وتجاوزوا ناديهم فكانوا في حال كرامة ، وهذا ثناء على المؤمنين بترفّعهم على ما كانوا عليه في الجاهلية كقوله تعالى :
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً
[ الأنعام : 70 ] ، وقوله :
وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ
[ القصص : 55 ] . وإعادة فعل
مَرُّوا
لبناء الحال عليه ، وذلك من محاسن الاستعمال ، كقول الأحوص :
فإذا تزول تزول عن متخمّط * تخشى بوادره على الأقران
ومنه قوله تعالى :
رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا
[ القصص : 63 ] كما ذكره ابن جنّي في « شرح مشكل أبيات الحماسة » ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
[ الفاتحة : 7 ] . [ 73 ]

[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 73 ]

وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً ( 73 )
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 98 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور