تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وأكد
نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ
بالمفعول المطلق لإفادة أنه نزول بالذات لا بمجرد الاتصال النوراني مثل الخواطر الملكية التي تشعشع في نفوس أهل الكمال . وقرأ الجمهور
وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ
بنون واحدة وتشديد الزاي وفتح اللام ورفع
الْمَلائِكَةُ
مبنيا للنائب . وقرأه ابن كثير
وَنُنَزِّلُ
بنونين أولاهما مضمومة والثانية ساكنة وبضم اللام ونصب
الْمَلائِكَةُ
. وقوله :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ
هو صدر الجملة المعطوفة فيتعلق به
يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ
، وإنما قدم عليه للوجه المذكور في تقديم قوله :
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ
[ الفرقان : 22 ] وكذلك القول في تكرير
يَوْمَئِذٍ
. و
الْحَقُّ
: الخالص ، كقولك : هذا ذهب حقّا . وهو الملك الظاهر أنه لا يماثله ملك ، لأن حالة الملك في الدنيا متفاوتة . والملك الكامل إنما هو للّه ، ولكن العقول قد لا تلتفت إلى ما في الملوك من نقص وعجز وتبهرهم بهرجة تصرفاتهم وعطاياهم فينسون الحقائق ، فأما في ذلك اليوم فالحقائق منكشفة وليس ثمة من يدّعي شيئا من التصرف ، وفي الحديث : « ثم يقول اللّه : أنا الملك أين ملوك الأرض » . ووصف اليوم بعسير باعتبار ما فيه من أمور عسيرة على المشركين . وتقديم
عَلَى الْكافِرِينَ
للحصر . وهو قصر إضافي ، أي دون المؤمنين . [ 27 - 29 ]

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 27 إلى 29 ]

وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ( 27 ) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً ( 29 ) هذا هو ذلك اليوم أعيد الكلام عليه باعتبار حال آخر من أحوال المشركين فيه ، أو باعتبار حال بعض المشركين المقصود من الآية . والتعريف في
الظَّالِمُ
يجوز أن يكون للاستغراق . والمراد بالظلم الشرك فيعم جميع المشركين الذين أشركوا بعد ظهور الدعوة المحمدية بقرينة قوله :
يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
، ويكون قوله :
لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
إعلاما بما لا تخلو عنه من صحبة بعضهم مع بعض وإغراء بعضهم بعضا على مناوأة الإسلام . ويجوز أن يكون للعهد المخصوص . والمراد بالظلم الاعتداء الخاص المعهود من
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 37 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور