تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
و
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ
يكون هو أول كتاب سليمان ، وأنها حكاية لكلام بلقيس . قال في « الكشف » يتبين أن قوله :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
بيان لعنوان الكتاب وأن قوله :
وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إلخ بيان لمضمون الكتاب فلا يرد سؤال كيف قدم قوله :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
على
إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
. ولم تزل نفسي غير منثلجة لهذه الوجوه في هذه الآية ويخطر ببالي أن موقع ( أن ) هذه استعمال خاص في افتتاح الكلام يعتمد عليه المتكلم في أول كلامه . وأنها المخففة من الثقيلة . وقد رأيت في بعض خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الافتتاح ب ( أن ) في ثاني خطبة خطبها بالمدينة في « سيرة ابن إسحاق » . وذكر السهيلي : أنّ الحمد ، مضبوط بضمة على تقدير ضمير الأمر والشأن . ولكن كلامه جرى على أن حرف ( إن ) مكسور الهمزة مشدد النون . ويظهر لي أن الهمزة مفتوحة وأنه استعمال ل ( أن ) المخففة من الثقيلة في افتتاح الأمور المهمة وأن منه قوله تعالى :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ يونس : 10 ] . و
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ
نهي مستعمل في التهديد ولذلك أتبعته ملكة سبأ بقولها :
يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي
[ النمل : 32 ] . [ 32 ]

[ سورة النمل ( 27 ) : آية 32 ]

قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ ( 32 ) سألتهم إبداء آرائهم ما ذا تعمل تجاه دعوة سليمان . والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا مثل التي قبلها . والإفتاء : الإخبار بالفتوى وهي إزالة مشكل يعرض . وقد تقدمت عند قوله تعالى :
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
في سورة يوسف [ 41 ] . والأمر : الحال المهم ، وإضافته إلى ضميرها لأنها المخاطبة بكتاب سليمان ولأنها المضطلعة بما يجب إجراؤه من شؤون المملكة وعليها تبعة الخطأ في المنهج الذي تسلكه من السياسة ، ولذلك يقال للخليفة وللملك وللأمير ولعالم الدين : وليّ الأمر . وبهذه الثلاثة فسّر قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
[ النساء : 59 ] . وقال الراعي يخاطب عبد الملك بن مروان :
أوليّ أمر اللّه إنا معشر * حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
فهذا معنى قولهم لها :
وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ
[ النمل : 33 ] .