تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
و
أَنْ أَعْمَلَ
عطف على
أَنْ أَشْكُرَ
. والإدخال في العباد الصالحين مستعار لجعله واحدا منهم ، فشبه إلحاقه بهم في الصلاح بإدخاله عليهم في زمرتهم ، وسؤاله ذلك مراد به الاستمرار والزيادة من رفع الدرجات لأن لعباد اللّه الصالحين مراتب كثيرة . [ 20 ، 21 ]

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 20 إلى 21 ]

وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ( 20 ) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 21 ) صيغة التفعّل تدل على التكلف ، والتكلف : الطلب . واشتقاق
تَفَقَّدَ
من الفقد يقتضي أن
تَفَقَّدَ
بمعنى طلب الفقد . ولكنهم توسعوا فيه فأطلقوه على طلب معرفة سبب الفقد ، أي معرفة ما أحدثه الفقد في شيء ، فالتفقد : البحث عن الفقد ليعرف بذلك أن الشيء لم ينقص وكان الطير من جملة الجند لأن كثيرا من الطير صالح للانتفاع به في أمور الجند فمنه الحمام الزاجل ، ومنه الهدهد أيضا لمعرفة الماء ، ومنه البزاة والصقور لصيد الملك وجنده ولجلب الطعام للجند من الصيد إذا حل الجند في القفار أو نفد الزاد . وللطير جنود يقومون بشئونها . وتفقد الجند من شعار الملك والأمراء وهو من مقاصد حشر الجنود وتسييرها . والمعنى : تفقّد الطير في جملة ما تفقده ، فقال لمن يلون أمر الطير :
ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
. ومن واجبات ولاة الأمور تفقد أحوال الرعية وتفقد العمال ونحوهم بنفسه كما فعل عمر في خروجه إلى الشام سنة سبع عشرة هجرية ، أو بمن يكل إليه ذلك ، فقد جعل عمر محمد بن مسلمة الأنصاري يتفقد العمال . و
الْهُدْهُدَ
: نوع من الطير وهو ما يقرقر ، وفي رائحته نتن وفوق رأسه قزعة سوداء ، وهو أسود البراثن ، أصفر الأجفان ، يقتات الحبوب والدود ، يرى الماء من بعد ويحس به في باطن الأرض ، فإذا رفرف على موضع علم أن به ماء ، وهذا سبب اتخاذه في جند سليمان . قال الجاحظ : يزعمون أنه هو الذي كان يدل سليمان على مواضع الماء في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها . وقوله :
ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
استفهام عن شيء حصل له في حال عدم رؤيته الهدهد ، ف
ما
استفهام . واللام من قوله :
لِيَ
للاختصاص . والمجرور باللام خبر عن
ما
الاستفهامية . والتقدير : ما الأمر الذي كان لي . وجملة :
لا أَرَى الْهُدْهُدَ
في موضع الحال من ياء المتكلم المجرورة باللام ،
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 242 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور