تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
آيات ، و
إِلى فِرْعَوْنَ
صفة لآيات ، أي آيات مسوقة إلى فرعون . وفي هذا إيذان بكلام محذوف إيجازا وهو أمر اللّه موسى بأن يذهب إلى فرعون كما بيّن في سورة الشعراء . والآيات هي : العصا ، واليد ، والطوفان ، والجراد ، والقمّل ، والضفادع ، والدم ، والقحط ، وانفلاق البحر وهو أعظمها ، وقد عدّ بعضها في سورة الأعراف . وجمعها الفيروزآبادي في بيت ذكره في مادة ( تسع ) من « القاموس » وهو :
عصا سنة بحر جراد وقمّل * يد ودم بعد الضفادع طوفان
[ 13 ، 14 ]

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 13 إلى 14 ]

فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) أوجز بقية القصة وانتقل إلى العبرة بتكذيب فرعون وقومه الآيات ، ليعتبر بذلك حال الذين كذبوا بآيات محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقصد من هذا الإيجاز طي بساط القصة لينتقل منها إلى قصة داود ثم قصة سليمان المبسوطة في هذه السورة . والمراد بمجيء الآيات حصولها واحدة بعد أخرى وهي الآيات الثمان التي قبل الغرق . والمبصرة : الظاهرة . صيغ لها وزن اسم فاعل الإبصار على طريقة المجاز العقلي ، وإنما المبصر الناظر إليها . وقد تقدم في قوله تعالى :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً
في سورة الإسراء [ 59 ] . والجحود : الإنكار باللسان . و
اسْتَيْقَنَتْها
بمعنى أيقنت بها ، فحذف حرف الجر وعدي الفعل إلى المجرور على التوسع أو على نزع الخافض ، أي تحققتها عقولهم ، والسين والتاء للمبالغة . والظلم في تكذيبهم الرسول لأنهم ألصقوا به ما ليس بحق فظلموه حقه . والعلو : الكبر ويحسن أن تكون جملة :
وَاسْتَيْقَنَتْها
حالية ، فقوله :
ظُلْماً وَعُلُوًّا
نشر على ترتيب اللفّ . فالظلم في الجحد بها والعلوّ في كونهم موقنين بها . وانتصب
ظُلْماً وَعُلُوًّا
على الحال من ضمير
جَحَدُوا
وجعل ما هو معلوم من حالهم فيما لحق بهم من العذاب بمنزلة الشيء المشاهد للسامعين فأمر بالنظر إليه بقوله :
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
. والخطاب لغير معين . ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم تسلية له بما حلّ بالمكذبين بالرسل قبله لأن في ذلك تعريضا بتهديد المشركين