[ 184 ]
[ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 184 ]
وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ( 184 )
أكد قوله في صدر خطابه
فَاتَّقُوا اللَّهَ
[ الشعراء : 179 ] بقوله هنا :
وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ
وزاد فيه دليل استحقاقه التقوى بأن اللّه خلقهم وخلق الأمم من قبلهم ، وباعتبار هذه الزيادة أدخل حرف العطف على فعل
اتَّقُوا
ولو كان مجرد تأكيد لم يصح عطفه . وفي قوله :
الَّذِي خَلَقَكُمْ
إيماء إلى نبذ اتقاء غيره من شركائهم .
و
الْجِبِلَّةَ
: بكسر الجيم والباء وتشديد اللام : الخلقة ، وأريد به المخلوقات لأن الجبلة اسم كالمصدر ولهذا وصف ب
الْأَوَّلِينَ
. وقيل : أطلق الجبلة على أهلها ، أي وذوي الجبلة الأولين . والمعنى : الذي خلقكم وخلق الأمم قبلكم .
[ 185 - 188 ]
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 185 إلى 188 ]
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 185 ) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ( 186 ) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 187 ) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ( 188 )
نفوا رسالته عن اللّه كناية وتصريحا فزعموه مسحورا ، أي مختل الإدراك والتصورات من جرّاء سحر سلط عليه . وذلك كناية عن بطلان أن يكون ما جاء به رسالة عن اللّه . وفي صيغة
مِنَ الْمُسَحَّرِينَ
من المبالغة ما تقدم في قوله :
مِنَ الْمَرْجُومِينَ
[ الشعراء : 116 ]
مِنَ الْمُسَحَّرِينَ
[ الشعراء : 153 ]
مِنَ الْمُخْرَجِينَ
[ الشعراء : 167 ] .
والإتيان بواو العطف في قوله :
وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
يجعل كونه بشرا إبطالا ثانيا لرسالته . وترك العطف في قصة ثمود يجعل كونه بشرا حجة على أن ما يصدر منه ليس وحيا على اللّه بل هو من تأثير كونه مسحورا . فمآل معنيي الآيتين متّحد ولكن طريق إفادته مختلف وذلك على حسب أسلوب الحكايتين .
وأطلق الظن على اليقين في
وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ
وهو إطلاق شائع كقوله :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
[ البقرة : 46 ] ، وقرينته هنا دخول اللام على المفعول الثاني ل ( ظنّ ) لأن أصلها لام قسم .
و
إِنْ
مخففة من الثقيلة ، واللام في
لَمِنَ الْكاذِبِينَ
اللام الفارقة ، وحقها أن تدخل على ما أصله الخبر فيقال هنا مثلا : وإن أنت لمن الكاذبين ، لكن العرب توسعوا في المخففة فكثيرا ما يدخلونها على الفعل الناسخ لشدة اختصاصه بالمبتدإ والخبر فيجتمع