تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
تعالى كما قال مشركو قريش
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ *
[ الأنعام : 25 ] والإشارة إلى ما يدعوهم إليه . وأما على قراءة الفريق الثاني فالخلق بفتح الخاء وسكون اللام مصدر هو الإنشاء والتكوين ، والخلق أيضا مصدر خلق ، إذا كذب في خبره ، ومنه قوله تعالى :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
[ العنكبوت : 17 ] . وتقول العرب : حدثنا فلان بأحاديث الخلق وهي الخرافات المفتعلة ، ويقال له : اختلاق بصيغة الافتعال الدالة على التكلف والاختراع ، قال تعالى :
إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ
[ ص : 7 ] وذلك أن الكاذب يخلق خبرا لم يقع . فيجوز أن يكون المعنى أن ما تزعمه من الرسالة عن اللّه كذب وما تخبرنا من البعث اختلاق ، فالإشارة إلى ما جاء به صالح . ويجوز أن يكون المعنى أنّ حياتنا كحياة الأولين نحيا ثم نموت ، فالكلام على التشبيه البليغ وهو كناية عن التكذيب بالبعث الذي حذرهم جزاءه في قوله :
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
[ الشعراء : 135 ] يقولون : كما مات الأولون ولم يبعث أحد منهم قط فكذلك نحيا نحن ثم نموت ولا نبعث . وهذا كقول المشركين
ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ الجاثية : 25 ] فالإشارة في قوله :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
إلى الخلق الذي هم عليه كما دل عليه المستثنى . فهذه أربعة معان واحد منها مدح ، واثنان ذم ، وواحد ادعاء . وجملة :
وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
على المعاني الأول والثاني والثالث عطف على جملة
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
عطف مغاير . وعلى المعنى الرابع عطف تفسير لقولهم
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
تصريحا بعد الكناية . والقصر قصر إضافي على المعاني كلها . ولا شك أن قوم صالح نطقوا بلغتهم جملا كثيرة تنحل إلى هذه المعاني فجمعها القرآن في قوله :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
باحتمال اسم الإشارة واختلاف النطق بكلمة خلق فللّه إيجازه وإعجازه . والفاء في
فَكَذَّبُوهُ
فصيحة ، أي فتبيّن أنهم بقولهم : سواء علينا ذلك أوعظت إلخ قد كذبوه فأهلكناهم . وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
إلى آخره هو مثل نظيره في قصة نوح .