وقيل : هيهات ظرف غير متصرف ، وهو قول المبرد . ونسبه في « لسان العرب » إلى أبي علي الفارسي . قال : قال ابن جني : كان أبو علي يقول في هيهات : أنا أفتي مرة بكونها اسما سمي به الفعل مثل صه ومه ، وأفتي مرة بكونها ظرفا على قدر ما يحضرني في الحال .
وفيها لغات كثيرة وأفصحها أنها بهاءين وتاء مفتوحة فتحة بناء ، وأن تاءها تثبت في الوقف وقيل يوقف عليها هاء ، وأنها لا تنون تنوين تنكير .
وقد ورد ما بعد ( هيهات ) مجرورا باللام كما في هذه الآية . وورد مرفوعا كما في قول جرير :
فهيهات هيهات العقيق وأهله * وهيهات خلّ بالعقيق نحاوله
وورد مجرورا ب ( من ) في قول حميد الأرقط :
هيهات من مصبحها هيهات * هيهات حجر من صنيبعات
فالذي يتضح في استعمال ( هيهات ) أن الأصل فيما بعدها أن يكون مرفوعا على تأويل ( هيهات ) بمعنى فعل ماض من البعد كما في بيت جرير ، وأن الأفصح أن يكون ما بعدها مجرورا باللام فيكون على الاستغناء عن فاعل اسم الفعل للعلم به مما يسبق ( هيهات ) من الكلام لأنها لا تقع غالبا إلا بعد كلام ، وتجعل اللام للتبيين ، أي إيضاح المراد من الفاعل ، فيحصل بذلك إجمال ثم تفصيل يفيد تقوية الخبر . وهذه اللام ترجع إلى لام التعليل . وإذا ورد ما بعدها مجرورا ب ( من ) ف ( من ) بمعنى ( عن ) أي بعد عنه أو بعدا عنه .
على أنه يجوز أن تؤوّل ( هيهات ) مرة بالفعل وهو الغالب ومرة بالمصدر فتكون اسم مصدر مبنيا جامدا غير مشتق . ويكون الإخبار بها كالإخبار بالمصدر ، وهو الوجه الذي سلكه الزجاج في تفسير هذه الآية ويشير كلام الزمخشري إلى اختياره .
وجاء هنا فعل
تُوعَدُونَ
من ( أوعد ) وجاء قبله فعل
أَ يَعِدُكُمْ
وهو من ( وعد ) مع أن الموعود به شيء واحد . قال الشيخ ابن عرفة : لأن الأول : راجع إليهم في حال وجودهم فجعل وعدا ، والثاني راجع إلى حالتهم بعد الموت والانعدام فناسب التعبير عنه بالوعيد ا ه .
وأقول : أحسن من هذا أنه عبّر مرة بالوعد ومرة بالوعيد على وجه الاحتباك ، فإن