تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
واعلم أن المنافقين اتصفوا بهذه الأمور الثلاثة وكلها ناشئة عن عدم تصديقهم الرسول سواء في ذلك من حلت به قضية ومن لم تحل . وفيما فسرنا به قوله تعالى :
أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
ما يثلج صدر الناظر ويخرج به من سكوت الساكت وحيرة الحائر . و
بَلْ
للإضراب الانتقالي من الاستفهام التنبيهي إلى خبر آخر . ولم يؤت في هذا الإضراب ب
أَمِ
لأن
أَمِ
لا بد معها من معنى الاستفهام ، وليس المراد عطف كونهم ظالمين على الاستفهام المستعمل في التنبيه بل المراد به إفادة اتصافهم بالظلم دون غيرهم لأنه قد اتضح حالهم فلا داعي لإيراده بصيغة استفهام التنبيه . وليست
بَلْ
هنا للإبطال لأنه لا يستقيم إبطال جميع الأقسام المتقدمة فإن منها مرض قلوبهم وهو ثابت ، ولا دليل على قصد إبطال القسم الأخير خاصة ، ولا على إبطال القسمين الآخرين . وجملة :
أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
مستأنفة استئنافا بيانا لأن السامع بعد أن طنت بأذنه تلك الاستفهامات الثلاثة ثم أعقبت بحرف الإضراب يترقب ما ذا سيرسي عليه تحقيق حالهم فكان قوله :
أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
بيانا لما يترقبه السامع . والمعنى : أنهم يخافون أن يحيف الرسول عليهم ويظلمهم . وليس الرسول بالذي يظلم بل هم الظالمون . فالقصر الحاصل من تعريف الجزأين ومن ضمير الفصل حصر مؤكّد ، أي هم الظالمون لا شرع اللّه ولا حكم رسوله . وزاد اسم الإشارة تأكيدا للخبر فحصل فيه أربعة مؤكدات : اثنان من صيغة الحصر إذ ليس الحصر والتخصيص إلا تأكيدا على تأكيد ، والثالث ضمير الفصل ، والرابع اسم الإشارة . واسم الإشارة الموضوع للتمييز استعمل هنا مجازا لتحقيق اتصافهم بالظلم ، فهم يقيسون الناس على حسب ما يقيسون أنفسهم ، فلما كانوا أهل ظلم ظنوا بمن هو أهل الإنصاف أنه ظالم كما قال أبو الطيب :
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدق ما يعتاده من توهم
ولا تعلق لهذه الآية بحكم من دعي إلى القاضي للخصومة فامتنع لأن الذم والتوبيخ فيها كانا على امتناع ناشئ عن كفرهم ونفاقهم .