Skip to main content

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — Page 16

Contributors:

P.16
لأن ذكر الصلاة هنالك جاء تبعا للخشوع فأريد ختم صفات مدحهم بصفة محافظتهم على الصلوات ليكون لهذه الخصلة كمال الاستقرار في الذهن لأنها آخر ما قرع السمع من هذه الصفات . وقد حصل بذلك تكرير ذكر الصلاة تنويها بها ، وردا للعجز على الصدر تحسينا للكلام الذي ذكرت فيه تلك الصفات لتزداد النفس قبولا لسماعها ووعيها فتتأسى بها . والقول في إعادة الموصول وتقديم المعمول وإضافة الصلوات إلى ضميرهم مثل القول في نظيره ونظائره . وقرأ الجمهور
عَلى صَلَواتِهِمْ
بصيغة الجمع ، وقرأه حمزة والكسائي وخلف على صلاتهم بالإفراد . وقد جمعت هذه الآية أصول التقوى الشرعية لأنها أتت على أعسر ما تراض له النفس من أعمال القلب والجوارح . فجاءت بوصف الإيمان وهو أساس التقوى لقوله تعالى :
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البلد : 17 ] وقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
[ النور : 39 ] . ثم ذكرت الصلاة وهي عماد التقوى والتي تنهى عن الفحشاء والمنكر لما فيها من تكرر استحضار الوقوف بين يدي اللّه ومناجاته . وذكرت الخشوع وهو تمام الطاعة لأن المرء قد يعمل الطاعة للخروج من عهدة التكليف غير مستحضر خشوعا لربه الذي كلفه بالأعمال الصالحة ، فإذا تخلق المؤمن بالخشوع اشتدت مراقبته ربّه فامتثل واجتنب . فهذان من أعمال القلب . وذكرت الإعراض عن اللغو ، واللغو من سوء الخلق المتعلق باللسان الذي يعسر إمساكه فإذا تخلق المؤمن بالإعراض عن اللغو فقد سهل عليه ما هو دون ذلك . وفي الإعراض عن اللغو خلق للسمع أيضا كما علمت . وذكرت إعطاء الصدقات وفي ذلك مقاومة داء الشح
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *
[ التغابن : 16 ] .