ثانية ببراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من أن تكون له أزواج خبيثات لأن عصمته وكرامته على اللّه يأبى اللّه معها أن تكون أزواجه غير طيبات . فمكانة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم كافية في الدلالة على براءة زوجه وطهارة أزواجه كلهن . وهذا من الاستدلال على حال الشيء بحال مقارنه ومماثله .
وفي هذا تعريض بالذين اختلقوا الإفك بأن ما أفكوه لا يليق مثله إلا بأزواجهم ، فقوله :
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ
تعريض بالمنافقين المختلقين للإفك .
والابتداء بذكر
الْخَبِيثاتُ
لأن غرض الكلام الاستدلال على براءة عائشة وبقية أمهات المؤمنين . واللام في قوله :
لِلْخَبِيثِينَ
لام الاستحقاق . والخبيثات والخبيثون والطيبات والطيبون أوصاف جرت على موصوفات محذوفة يدل عليها السياق . والتقدير في الجميع : الأزواج .
وعطف
وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ
إطناب لمزيد العناية بتقرير هذا الحكم ولتكون الجملة بمنزلة المثل مستقلة بدلالتها على الحكم وليكون الاستدلال على حال القرين بحال مقارنه حاصلا من أي جانب ابتدأه السامع .
وذكر
وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ
إطناب أيضا للدلالة على أن المقارنة دليل على حال القرينين في الخير أيضا .
وعطف
وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ
كعطف
وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ
.
وتقدم الكلام على الخبيث والطيب عند قوله تعالى :
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
في سورة الأنفال [ 37 ] وقوله :
قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
في سورة آل عمران [ 38 ] وقوله :
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
في سورة الأعراف [ 157 ] .
وغلب ضمير التذكير في قوله :
مُبَرَّؤُنَ
وهذه قضية كلية ولذلك حق لها أن تجري مجرى المثل وجعلت في آخر القصة كالتذييل .
والمراد بالخبث : خبث الصفات الإنسانية كالفواحش . وكذلك المراد بالطيب : زكاء الصفات الإنسانية من الفضائل المعروفة في البشر فليس الكفر من الخبث ولكنه من متمماته . وكذلك الإيمان من مكملات الطيب فلذلك لم يكن كفر امرأة نوح وامرأة لوط ناقصا لعموم قوله :
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ
فإن المراد بقوله تعالى :
كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما
[ التحريم : 10 ] أنهما خانتا زوجيهما بإبطان الكفر . ويدل لذلك مقابلة حالهما بحال امرأة فرعون
إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ
إلى قوله :