تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
للتنبيه على أن الكلام في هذا وكينونة الخوض فيه حقيق بالانتفاء . وذلك أن قولك : ما يكون لي أن أفعل ، أشد في نفي الفعل عنك من قولك : ليس لي أن أفعل . ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام
قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ
[ المائدة : 116 ] . وهذا مسوق للتوبيخ على تناقلهم الخبر الكاذب وكان الشأن أن يقول القائل في نفسه : ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ، ويقول ذلك لمن يجالسه ويسمعه منه . فهذا زيادة على التوبيخ على السكوت عليه في قوله تعالى :
وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ
[ النور : 12 ] . و
سُبْحانَكَ
جملة إنشاء وقعت معترضة بين جملة :
ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا
وجملة :
هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ
. و
سُبْحانَكَ
مصدر وقع بدلا من فعله ، أي نسبح سبحانا لك . وإضافته إلى ضمير الخطاب من إضافة المصدر إلى مفعوله ، وهو هنا مستعار للتعجب كما تقدم عند قوله تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ الإسراء : 1 ] وقوله :
وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
في سورة يوسف [ 108 ] . والأحسن أن يكون هنا لإعلان المتكلم البراءة من شيء بتمثيل حال نفسه بحال من يشهد اللّه على ما يقول فيبتدئ بخطاب اللّه بتعظيمه ثم بقول :
هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ
تبرّئا من لازم ذلك وهو مبالغة في إنكار الشيء والتعجب من وقوعه . وتوجيه الخطاب إلى اللّه في قوله :
سُبْحانَكَ
للإشعار بأن اللّه غاضب على من يخوض في ذلك فعليهم أن يتوجهوا للّه بالتوبة منه لمن خاضوا فيه وبالاحتراز من المشاركة فيه لمن لم يخوضوا فيه . وجملة :
هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ
تعليل لجملة :
ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا
فهي داخلة في توبيخ المقول لهم . ووصف البهتان بأنه
عَظِيمٌ
معناه أنه عظيم في وقوعه ، أي بالغ في كنه البهتان مبلغا قويا . وإنما كان عظيما لأنه مشتمل على منكرات كثيرة وهي : الكذب ، وكون الكذب يطعن في سلامة العرض ، وكونه يسبب إحنا عظيمة بين المفترين والمفترى عليهم بدون عذر ، وكون المفترى عليهم من خيرة الناس وانتمائهم إلى أخير الناس من أزواج وآباء وقرابات ، وأعظم من ذلك أنه اجتراء على مقام النبي صلى اللّه عليه وسلّم ومقام أم المؤمنين رضي اللّه
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 145 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور