والباء في
بِأَنْفُسِهِمْ
لتعدية فعل الظن إلى المفعول الثاني لأنه متعد هنا إلى واحد إذ هو في معنى الاتهام .
والمبين : البالغ الغاية في البيان ، أي الوضوح كأنه لقوة بيانه قد صار يبين غيره .
[ 13 ]
[ سورة النور ( 24 ) : آية 13 ]
لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 13 )
استئناف ثان لتوبيخ العصبة الذين جاءوا بالإفك وذم لهم . و ( لولا ) هذه مثل ( لولا ) السابقة بمعنى ( هلا ) .
والمعنى : أن الذي يخبر خبرا عن غير مشاهدة يجب أن يستند في خبره إلى إخبار مشاهد ، ويجب كون المشاهدين المخبرين عددا يفيد خبرهم الصدق في مثل الخبر الذي أخبروا به ؛ فالذين جاءوا بالإفك اختلقوه من سوء ظنونهم فلم يستندوا إلى مشاهدة ما أخبروا به ولا إلى شهادة من شاهدوه ممن يقبل مثلهم فكان خبرهم إفكا . وهذا مستند إلى الحكم المتقرر من قبل في أول السورة بقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
[ النور : 4 ] فقد علمت أن أول سورة النور نزل أواخر سنة اثنتين أو أوائل سنة ثلاث قبل استشهاد مرثد بن أبي مرثد .
وصيغة الحصر في قوله :
فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ
للمبالغة كأن كذبهم لقوته وشناعته لا يعد غيرهم من الكاذبين كاذبا فكأنهم انحصرت فيهم ماهية الموصوفين بالكذب .
واسم الإشارة لزيادة تمييزهم بهذه الصفة ليحذر الناس أمثالهم .
والتقييد بقوله :
عِنْدَ اللَّهِ
لزيادة تحقيق كذبهم ، أي هو كذب في علم اللّه فإن علم اللّه لا يكون إلا موافقا لنفس الأمر . وليس المراد ما ذكره كثير من المفسرين أن معنى
عِنْدَ اللَّهِ
في شرعه لأن ذلك يصيره قيدا للاحتراز . فيصير المعنى : هم الكاذبون في إجراء أحكام الشريعة . وهذا ينافي غرض الكلام ويجافي ما اقترن به من تأكيد وصفهم بالكذب ؛ على أن كون ذلك هو شرع اللّه معلوم من قوله :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
[ النور : 4 ] إلى قوله :
فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ
. فمسألة الأخذ بالظاهر في إجراء الأحكام الشرعية مسألة أخرى لا تؤخذ من