تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
بأوليائه المنقطعين لعبادته فخصّ بالذكر لذلك . والقول في عطف وزكرياء كالقول في نظائره السابقة . وجملة
رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً
مبيّنة لجملة
نادى رَبَّهُ
. وأطلق الفرد على من لا ولد له تشبيها له بالمنفرد الذي لا قرين له . قال تعالى :
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
[ مريم : 95 ] ، ويقال مثله الواحد للذي لا رفيق له ، قال الحارث بن هشام :
وعلمت أني إن أقاتل واحدا * أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
فشبه من لا ولد بالفرد لأن الولد يصيّر أباه كالشفع لأنه كجزء منه . ولا يقال لذي الولد زوج ولا شفع . وجملة
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ
ثناء لتمهيد الإجابة ، أي أنت الوارث الحق فاقض عليّ من صفتك العلية شيئا . وقد شاع في الكتاب والسنة ذكر صفة من صفات اللّه عند سؤاله إعطاء ما هو من جنسها ، كما قال أيوب
وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
[ الأنبياء : 83 ] ، ودلّ ذكر ذلك على أنه سأل الولد لأجل أن يرثه كما في آية [ سورة مريم : 6 ]
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
. حذفت هاته الجملة لدلالة المحكي هنا عليها . والتقدير : يرثني الإرث الذي لا يداني إرثك عبادك ، أي بقاء ما تركوه في الدنيا لتصرّف قدرتك ، أو يرثني مالي وعلمي وأنت ترث نفسي كلها بالمصير إليك مصيرا أبديا فأرثك خير إرث لأنه أشمل وأبقى وأنت خير الوارثين في تحقق هذا الوصف . وإصلاح زوجه : جعلها صالحة للحمل بعد أن كانت عاقرا . وتقدم ذكر زكرياء في سورة آل عمران وذكر زوجه في سورة مريم .
إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ
جملة واقعة موقع التعليل للجمل المتقدمة في الثناء على الأنبياء المذكورين ، وما أوتوه من النصر ، واستجابة الدعوات ، والإنجاء من كيد الأعداء ، وما تبع ذلك ، ابتداء من قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً
[ الأنبياء : 48 ] . فضمائر الجمع عائدة إلى المذكورين . وحرف التأكيد مفيد معنى التعليل والتسبب ، أي ما استحقّوا ما أوتوه إلا لمبادرتهم إلى مسالك الخير وجدّهم في تحصيلها . وأفاد فعل الكون أن ذلك كان دأبهم وهجّيراهم .