وكانت الدروع التّبعية مشهورة عند العرب فلعل تبّعا اقتبسها من بني إسرائيل بعد داود أو لعل الدروع التبعية كانت من ذات الحراشف ، وقد جمعها النابغة بقوله :
وكلّ صموت نثلة تبّعية * ونسج سليم كلّ قمصاء ذائل
أراد بسليم ترخيم سليمان ، يعني سليمان بن داود ، فنسب عمل أبيه إليه لأنه كان مدخرا لها .
واللبوس - بفتح اللام - أصله اسم لكل ما يلبس فهو فعول بمعنى مفعول مثل رسول . وغلب إطلاقه على ما يلبس من لامة الحرب من الحديد ، وهو الدرع فلا يطلق على الدرع لباس ويطلق عليها لبوس كما يطلق لبوس على الثياب . وقال ابن عطية :
اللبوس في اللغة السلاح فمنه الرمح ومنه قول الشاعر وهو أبو كبير الهذلي .
ومعي لبوس للبئيس كأنه * روق بجبهة ذي نعاج مجفل « 1 »
وقرأ الجمهور ليحصنكم بالمثناة التحتية على ظاهر إضمار لفظ
لَبُوسٍ
.
وإسناد الإحصان إلى اللبوس إسناد مجازي . وقرأ ابن عامر ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر - بالمثناة الفوقية - على تأويل معنى
لَبُوسٍ
بالدرع ، وهي مؤنثة ، وقرأ أبو بكر عن عاصم ، ورويس عن يعقوب لنحصنكم بالنون .
وضمائر الخطاب في
لَكُمْ
، ليحصنكم ،
مِنْ بَأْسِكُمْ ، فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ
موجهة إلى المشركين تبعا لقوله تعالى قبل ذلك :
وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
[ الأنبياء : 50 ] لأنهم أهملوا شكر نعم اللّه تعالى التي منها هذه النعمة إذ عبدوا غيره .
والإحصان : الوقاية والحماية . والبأس : الحرب .
ولذلك كان الاستفهام في قوله تعالى
فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ
مستعملا في استبطاء عدم الشكر ومكنّى به عن الأمر بالشكر .
وكان العدول عن إيلاء ( هل ) الاستفهامية بجملة فعلية إلى الجملة الاسمية مع أن ل ( هل ) مزيد اختصاص بالفعل ، فلم يقل : فهل تشكرون ، وعدل إلى
فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ
ليدلّ العدول عن الفعلية إلى الاسمية على ما تقتضيه الاسمية من معنى الثبات والاستمرار ، أي فهل تقرر شكركم وثبت لأن تقرر الشكر هو الشأن في مقابلة هذه النعمة نظير قوله
هامش
( 1 ) البئيس : الشجاع ، وذو النعاج : الثور الوحشي معه نعاجه أي إناثه فهو مجفل من الصائد .