أنها كذبات في بادئ الأمر وأنها عند التأمل يظهر المقصود منها . وذلك أن النهي عن الكذب إنما علته خدع المخاطب وما يتسبب على الخبر المكذوب من جريان الأعمال على اعتبار الواقع بخلافه . فإذا كان الخبر يعقب بالصدق لم يكن ذلك من الكذب بل كان تعريضا أو مزحا أو نحوهما .
وأما ما
ورد في حديث الشفاعة « فيقول إبراهيم : لست هناكم ويذكر كذبات كذبها »
فمعناه أنه يذكر أنه قال كلاما خلافا للواقع بدون إذن من اللّه بوحي ، ولكنه ارتكب قول خلاف الواقع لضرورة الاستدلال بحسب اجتهاده فخشي أن لا يصادف اجتهاده الصواب من مراد اللّه فخشي عتاب اللّه فتخلص من ذلك الموقف .
وقوله تعالى
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ
يجوز أن يكون معناه فرجع بعضهم إلى بعض ، أي أقبل بعضهم على خطاب بعض وأعرضوا عن مخاطبة إبراهيم على نحو قوله تعالى :
فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ
[ النور : 61 ] وقوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ النساء : 29 ] ، أي فقال بعضهم لبعض إنكم أنتم الظالمون .
وضمائر الجمع مراد منها التوزيع كما في : ركب القوم دوابهم ، ويجوز أن يكون معناه فرجع كل واحد إلى نفسه ، أي ترك التأمل في تهمة إبراهيم وتدبر في دفاع إبراهيم .
فلاح لكل منهم أن إبراهيم بريء فقال بعضهم لبعض
إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
. وضمائر الجمع جارية على أصلها المعروف . والجملة مفيدة للحصر ، أي أنتم ظالمون لا إبراهيم لأنكم ألصقتم به التهمة بأنه ظلم أصنامنا مع أن الظاهر أن نسألها عمّن فعل بها ذلك ، ويظهر أن الفاعل هو كبيرهم .
والرجوع إلى أنفسهم على الاحتمالين السابقين مستعار لشغل البال بشيء عقب شغله بالغير ، كما يرجع المرء إلى بيته بعد خروجه إلى مكان غيره .
وفعل
نُكِسُوا
مبني للمجهول ، أي نكسهم ناكس ، ولمّا لم يكن لذلك النكس فاعل إلّا أنفسهم بني الفعل للمجهول فصار بمعنى : انتكسوا على رؤوسهم . وهذا تمثيل .
والنكس : قلب أعلى الشيء أسفله وأسفله أعلاه ، يقال : صلب اللص منكوسا ، أي مجعولا رأسه مباشرا للأرض ، وهو أقبح هيئات المصلوب . ولما كان شأن انتصاب جسم الإنسان أن يكون منتصبا على قدميه فإذا نكّس صار انتصابه كأنه على رأسه ، فكان قوله