تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
آلهتهم مما يسوءهم ، فإن الذكر يكون بخير وبشّر فإذا لم يصرح بمتعلقه يصار إلى القرينة كما هنا وكما في قوله تعالى الآتي :
قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ
[ الأنبياء : 60 ] . وكلامهم مسوق مساق الغيظ والغضب ، ولذلك أعقبه اللّه بجملة الحال وهي
وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ
، أي يغضبون من أن تذكر آلهتهم بما هو كشف لكنهها المطابق للواقع في حال غفلتهم عن ذكر الرحمن الذي هو الحقيق بأن يذكروه . فالذكر الثاني مستعمل في الذكر بالثناء والتمجيد بقرينة المقام . والأظهر أن المراد بذكر الرحمن هنا القرآن ، أي الذكر الوارد من الرحمن . والمناسبة الانتقال من ذكر إلى ذكر . ومعنى كفرهم بذكر الرحمن إنكارهم أن يكون القرآن آية دالة على صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم فقالوا :
فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
[ الأنبياء : 5 ] . وأيضا كفرهم بما جاء به القرآن من إثبات البعث . وعبر عن اللّه تعالى باسم
الرَّحْمنِ
تورّكا عليهم إذ كانوا يأبون أن يكون الرحمن اسما للّه تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً
في سورة [ الفرقان : 60 ] . وضمير الفصل في قوله تعالى :
هُمْ كافِرُونَ
يجوز أن يفيد الحصر ، أي هم كافرون بالقرآن دون غيرهم ممن أسلم من أهل مكة وغيرهم من العرب لإفادة أنّ هؤلاء باقون على كفرهم مع توفر الآيات والنذر . ويجوز أن يكون الفصل لمجرد التأكيد تحقيقا لدوام كفرهم مع ظهور ما شأنه أن يقلعهم عن الكفر . [ 37 ]

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 37 ]

خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ( 37 ) جملة
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
معترضة بين جملة
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الأنبياء : 36 ] وبين جملة
سَأُرِيكُمْ آياتِي
، جعلت مقدمة لجملة
سَأُرِيكُمْ آياتِي
. أمّا جملة
سَأُرِيكُمْ آياتِي
فهي معترضة بين جملة
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً
[ الأنبياء : 36 ] وبين جملة
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ
[ الأنبياء : 38 ] ، لأن قوله تعالى :
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً
[ الأنبياء : 36 ] يثير في نفوس المسلمين تساؤلا عن مدى إمهال المشركين ، فكان قوله تعالى :
سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ
استئنافا بيانيا جاء معترضا بين الجمل التي تحكي أقوال المشركين وما تفرع عليها . فالخطاب إلى المسلمين الذين كانوا يستبطئون حلول الوعيد الذي توعد فاللّه تعالى به المكذبين .