تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
فعل
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
الذي هو بصيغة الماضي لأنه قصد من المضارع استحضار تلك الصورة العجيبة الحسنة ، ولإفادة بقاء أثر إنزال المطر زمانا بعد زمان كما تقول : أنعم فلان عليّ فأروح وأغدو شاكرا له . وفعل تصبح مفرّع على فعل
أَنْزَلَ
فهو مثبت في المعنى . وليس مفرّعا على النفي ولا على الاستفهام ، فلذلك لم ينصب بعد الفاء لأنه لم يقصد بالفاء جواب للنفي إذ ليس المعنى : ألم تر فتصبح الأرض . قال سيبويه : « وسألته ( يعني الخليل ) عن
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً
فقال : هذا واجب ( أي الرفع واجب ) وهو تنبيه كأنك قلت : أتسمع : أنزل اللّه من السماء ماء فكان كذا وكذا اه . قال في « الكشاف » : « لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه ( أي الكلام ) إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار . مثاله أن تقول لصاحبك : ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر ، إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه فيه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر . وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب » اه . والمخضرّة : التي صار لونها الخضرة . يقال : اخضرّ الشيء ، كما يقال : اصفرّ الثمر واحمرّ ، واسودّ الأفق : وصيغة افعلّ مما يصاغ للاتصاف بالألوان . وجملة
إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
في موقع التعليل للإنزال ، أي أنزل الماء المتفرّع عليه الاخضرار لأنه لطيف ، أي رفيق بمخلوقاته ، ولأنه عليم بترتيب المسببات على أسبابها . [ 64 ]

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 64 ]

لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 64 ) الجملة خبر ثان عن اسم الجلالة في قوله :
إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
[ الحج : 63 ] للتنبيه على اختصاصه بالخالقية والملك الحقّ ليعلم من ذلك أنه المختصّ بالمعبودية فيرد زعم المشركين أنّ الأصنام له شركاء في الإلهية وصرف عبادتهم إلى أصنامهم ، والمناسبة هي ذكر إنزال المطر وإنبات العشب فما ذلك إلا بعض ما في السماوات وما في الأرض . وإنما لم تعطف الجملة على التي قبلها مع اتحادهما في الغرض لأن هذه تتنزّل من الأولى منزلة التذييل بالعموم الشامل لما تضمنته الجملة التي قبلها ، ولأن هذه لا تتضمن تذكيرا بنعمة .