تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
يتمّ انتقاض أصلي الكفر . فالواو عاطفة قصة على قصة ، والإتيان بفعل
يَقُولُ
مضارعا لاستحضار حالة هذا القول للتعجيب من قائله تعجيب إنكار . والمراد بالإنسان جمع من الناس بقرينة قوله بعده
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ
[ مريم : 68 ] ، فيراد من كانت هاته مقالته وهم معظم المخاطبين بالقرآن في أوّل نزوله . ويجوز أن يكون وصف حذف ، أي الإنسان الكافر ، كما حذف الوصف في قوله تعالى :
يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
[ الكهف : 79 ] ، أي كلّ سفينة صالحة ، فتكون كقوله تعالى :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ
[ القيامي : 3 ، 4 ] . وكذلك إطلاق الناس على خصوص المشركين منهم في آيات كثيرة كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ البقرة : 21 ] إلى قوله
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] فإن ذلك خطاب للمشركين . وقيل تعريف
الْإِنْسانُ
للعهد لإنسان معين . فقيل ، قائل هذا أبي بن خلف ، وقيل : الوليد بن المغيرة . والاستفهام في
أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا
إنكار لتحقيق وقوع البعث ، فلذلك أتي بالجملة المسلّط عليها الإنكار مقترنة بلام الابتداء الدالة على توكيد الجملة الواقعة هي فيها ، أي يقول لا يكون ما حققتموه من إحيائي في المستقبل . ومتعلق
أُخْرَجُ
محذوف أي أخرج من القبر . وقد دخلت لام الابتداء في قوله
لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا
على المضارع المستقبل بصريح وجود حرف الاستقبال ، وذلك حجّة لقول ابن مالك بأن لام الابتداء تدخل على المضارع المراد به الاستقبال ولا تخلصه للحال . ويظهر أنه مع القرينة الصريحة لا ينبغي الاختلاف في عدم تخليصها المضارع للحال ، وإن صمّم الزمخشري على منعه ، وتأول ما هنا بأنّ اللام مزيدة للتوكيد وليست لام الابتداء ، وتأوله في قوله تعالى :
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
[ الضحى : 5 ] بتقدير مبتدأ محذوف ، أي ولأنت سوف يعطيك ربّك فترضى ، فلا تكون اللام داخلة على المضارع ، وكلّ ذلك تكلّف لا ملجئ إليه . وجملة
أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ
معطوفة على جملة
يَقُولُ الْإِنْسانُ
، أي يقول ذلك ومن النكير عليه أنّه لا يتذكّر أنا خلقناه من قبل وجوده . والاستفهام إنكار وتعجيب من ذهول الإنسان المنكر البعث عن خلقه الأول .