تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
الأزل إذ خلقها لهم . قال تعالى :
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
[ آل عمران : 133 ] . وفيه تنبيه على أنها وإن كانت محجوبة عنهم في الدنيا فإنها مهيئة لهم . وجملة
إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
تعليل لجملة
الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ
أي يدخلون الجنة وعدا من اللّه واقعا . وهذا تحقيق للبشارة . والوعد : هنا مصدر مستعمل في معنى المفعول . وهو من باب كسا ، فاللّه وعد المؤمنين الصالحين جنات عدن . فالجنات لهم موعودة من ربهم . والمأتي : الذي يأتيه غيره . وقد استعير الإتيان لحصول المطلوب المترقب ، تشبيها لمن يحصل الشيء بعد أن سعى لتحصيله بمن مشى إلى مكان حتى أتاه . وتشبيها للشيء المحصل بالمكان المقصود . ففي قوله
مَأْتِيًّا
تمثيلية اقتصر من أجزائها على إحدى الهيئتين ، وهي تستلزم الهيئة الأخرى لأنّ المأتي لا بد له من آت . وجملة
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً
حال من
عِبادَهُ
. واللغو : فضول الكلام وما لا طائل تحته . وإنفاؤه كناية عن انتفاء أقل المكدرات في الجنة ، كما قال تعالى :
لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً
[ الغاشية : 11 ] ، وكناية عن جعل مجازاة المؤمنين في الجنة بضد ما كانوا يلاقونه في الدنيا من أذى المشركين ولغوهم . وقوله
إِلَّا سَلاماً
استثناء منقطع وهو مجاز من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه كقول النّابغة :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب
أي لكن تسمعون سلاما . قال تعالى :
تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ *
[ إبراهيم : 23 ] وقال
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً
[ الواقعة : 25 ، 26 ] . والرزق : الطعام . وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات ذلك ودوامه ، فيفيد التكرر المستمر وهو أخص من التكرر المفاد بالفعل المضارع وأكثر . وتقديم الظرف للاهتمام بشأنهم ، وإضافة رزق إلى ضميرهم لزيادة الاختصاص . والبكرة : النصف الأول من النهار ، والعشي : النصف الأخير ، والجمع بينهما كناية عن استغراق الزمن ، أي لهم رزقهم غير محصور ولا مقدّر بل كلما شاءوا فلذلك لم يذكر اللّيل .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 61 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور