تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
الفاء عاطفة على محذوف يدلّ عليه قوله
وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ
[ طه : 69 ] . والتقدير : فألقى فتلقفت ما صنعوا ، كقوله تعالى :
أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ
[ الشعراء : 63 ] . والإلقاء : الطرح على الأرض . وأسند الفعل إلى المجهول لأنّهم لا ملقي لهم إلّا أنفسهم ، فكأنّه قيل : فألقوا أنفسهم سجّدا ، فإنّ سجودهم كان إعلانا باعترافهم أنّ موسى مرسل من اللّه . ويجوز أن يكون سجودهم تعظيما للّه تعالى . ويجوز أن يكون دلالة على تغلب موسى عليهم فسجدوا تعظيما له . ويجوز أن يريدوا به تعظيم فرعون ، جعلوه مقدمة لقولهم
آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى
حذرا من بطشه . وسجّد : جمع ساجد . وجملة
قالُوا
يصح أن تكون في موضع الحال ، أي ألقوا قائلين . ويصح أن تكون بدل اشتمال من جملة
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً
فإن سجودهم اشتمل على إيمانهم ، وأن تكون مستأنفة ابتدائية لافتتاح المحاورة بينهم وبين فرعون . وإنما آمنوا باللّه حينئذ لأنّهم أيقنوا أن ما جرى على يد موسى ليس من جنس السحر لأنّهم أئمّة السحر فعلموا أنّه آية من عند اللّه . وتعبيرهم عن الرب بطريق الإضافة إلى هارون وموسى لأن اللّه لم يكن يعرف بينهم يومئذ إلا بهذه النسبة لأن لهم أربابا يعبدونها ويعبدها فرعون . وتقديم هارون على موسى هنا وتقديم موسى على هارون في قوله تعالى في سورة الأعراف [ 121 ، 122 ] :
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ
لا دلالة فيه على تفضيل ولا غيره ، لأنّ الواو العاطفة لا تفيد أكثر من مطلق الجمع في الحكم المعطوف فيه ، فهم عرفوا اللّه بأنه ربّ هذين الرجلين ؛ فحكي كلامهم بما يدلّ على ذلك ؛ ألا ترى أنه حكي في سورة الأعراف [ 121 ] قول السحرة
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ
، ولم يحك ذلك هنا ، لأن حكاية الأخبار لا تقتضي الإحاطة بجميع المحكي وإنما المقصود موضع العبرة في ذلك المقام بحسب الحاجة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 150 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور