تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
أضيف يقال : بواديك ولا يقال بوادك . والمقدّس : المطهّر المنزّه . وتقدم في قوله تعالى :
وَنُقَدِّسُ لَكَ
في أول البقرة [ 30 ] . وتقديس الأمكنة يكون بما يحلّ فيها من الأمور المعظمة وهو هنا حلول الكلام الموجه من قبل اللّه تعالى . واختلف المفسرون في معنى
طُوىً
وهو بضم الطاء وبكسرها ، ولم يقرأ في المشهور إلّا بضم الطاء ، فقيل : اسم لذلك المكان ، وقيل : هو اسم مصدر مثل هدى ، وصف بالمصدر بمعنى اسم المفعول ، أي طواه موسى بالسير في تلك الليلة ، كأنه قيل له : إنك بالواد المقدّس الذي طويته سيرا ، فيكون المعنى تعيين أنه هو ذلك الواد . وأحسن منه على هذا الوجه أن يقال هو أمر لموسى بأن يطوي الوادي ويصعد إلى أعلاه لتلقي الوحي . وقد قيل : إنّ موسى صعد أعلى الوادي . وقيل : هو بمعنى المقدس تقديسين ، لأن الطي هو جعل الثوب على شقين ، ويجيء على هذا الوجه أن تجعل التثنية كناية عن التكرير والتضعيف مثل :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
[ الملك : 4 ] . فالمعنى : المقدّس تقديسا شديدا . فاسم المصدر مفعول مطلق مبيّن للعدد ، أي المقدّس تقديسا مضاعفا . والظاهر عندي : أنّ
طُوىً
اسم لصنف من الأودية يكون ضيقا بمنزلة الثوب المطوي أو غائرا كالبئر المطوية ، والبئر تسمى طويّا . وسمي واد بظاهر مكة ( ذا طوى ) بتثليث الطاء ، وهو مكان يسن للحاج أو المعتمر القادم إلى مكة أن يغتسل عنده . وقد اختلف في ( طوى ) هل ينصرف أو يمنع من الصرف بناء على أنه اسم أعجمي أو لأنه معدول عن طاو ، مثل عمر عن عامر . وقرأ الجمهور
طُوىً
بلا تنوين على منعه من الصرف . وقرأه ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف منوّنا ، لأنه اسم واد مذكّر . وقوله
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ
أخبر عن اختيار اللّه تعالى موسى بطريق المسند الفعلي المفيد تقوية الحكم ، لأنّ المقام ليس مقام إفادة التخصيص ، أي الحصر نحو : أنا سعيت في حاجتك ، وهو يعطي الجزيل . وموجب التقوّي هو غرابة الخبر ومفاجأته به دفعا لتطرّق الشك في نفسه . والاختيار : تكلف طلب ما هو خير . واستعملت صيغة التكلف في معنى إجادة طلب الخير .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 104 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور