تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
[ 25 ]

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 25 ]

وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ( 25 ) رجوع إلى بقية القصة بعد أن تخلل الاعتراض بينها بقوله :
فَلا تُمارِ فِيهِمْ
إلى قوله :
رَشَداً
[ الكهف : 22 - 24 ] . فيجوز أن تكون جملة
وَلَبِثُوا
عطفا على مقولهم في قوله :
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ
. [ الكهف : 22 ] أي ويقولون : لبثوا في كهفهم ، ليكون موقع قوله :
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
[ الكهف : 26 ] كموقع قوله السابق
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ
[ الكهف : 22 ] ، وعليه فلا يكون هذا إخبارا عن مدة لبثهم . وعن ابن مسعود أنه قرأ وقالوا لبثوا في كهفهم إلى آخره ، فذلك تفسير لهذا العطف . ويجوز أن يكون العطف على القصة كلها . والتقدير : وكذلك أعثرنا عليهم إلى آخره ، وهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين . وعلى اختلاف الوجهين يختلف المعنى في قوله :
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
[ الكهف : 26 ] كما سيأتي . ثم إن الظاهر أن القرآن أخبر بمدة لبث أهل الكهف في كهفهم ، وأن المراد لبثهم الأول قبل الإفاقة وهو المناسب لسبق الكلام على اللبث في قوله :
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ
[ الكهف : 19 ] ، وقد قدمنا عند قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ
[ الكهف : 9 ] إلخ . . . أن مؤرخي النصارى يزعمون أن مدة نومة أهل الكهف مائتان وأربعون سنة . وقيل : المراد لبثهم من وقت موتهم الأخير إلى زمن نزول هذه الآية . والمعنى : أن يقدر لبثهم بثلاثمائة وتسع سنين . فعبّر عن هذا العدد بأنه ثلاثمائة سنة وزيادة تسع ، ليعلم أن التقدير بالسنين القمرية المناسبة لتاريخ العرب والإسلام مع الإشارة إلى موافقة ذلك المقدار بالسنين الشمسية التي بها تاريخ القوم الذين منهم أهل الكهف وهم أهل بلاد الروم . قال السهيلي في « الروض الأنف » : النصارى يعرفون حديث أهل الكهف ويؤرخون به . وأقول : واليهود الذين لقّنوا قريشا السؤال عنهم يؤرّخون الأشهر بحساب القمر ويؤرخون السنين بحساب الدورة الشمسية ، فالتفاوت بين أيام السنة القمرية وأيام السنة الشمسية يحصل منه سنة قمرية كاملة في كل ثلاث وثلاثين سنة شمسية ، فيكون التفاوت في مائة سنة شمسية بثلاث سنين زائدة قمرية . كذا نقله ابن عطية عن النقاش المفسر . وبهذا تظهر نكتة التعبير عن التسع السنين بالازدياد . وهذا من علم القرآن