تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
مناسبتها وأبطلنا أن تكون مكية في صدر هذه السورة . [ 34 ]

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 34 ]

وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً ( 34 )
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
هذا من أهم الوصايا التي أوصى اللّه بها في هذه الآيات ، لأن العرب في الجاهلية كانوا يستحلون أموال اليتامى لضعفهم عن التفطن لمن يأكل أموالهم وقلة نصيرهم لإيصال حقوقهم ، فحذر اللّه المسلمين من ذلك لإزالة ما عسى أن يبقى في نفوسهم من أثر من تلك الجاهلية . وقد تقدم القول في نظير هذه الآية في سورة الأنعام . وهذه الوصية العاشرة . والقول في الإتيان بضمير الجماعة المخاطبين كالقول في سابقيه لأن المنهي عنه من أحوال أهل الجاهلية .
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
أمروا بالوفاء بالعهد . والتعريف في
الْعَهْدَ
للجنس المفيد للاستغراق يشمل العهد الذي عاهدوا عليه النبي ، وهو البيعة على الإيمان والنصر . وقد تقدم عند قوله تعالى :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ
في سورة النحل [ 91 ] وقوله :
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا
في سورة الأنعام [ 152 ] . وهذا التشريع من أصول حرمة الأمة في نظر الأمم والثقة بها للانزواء تحت سلطانها . وقد مضى القول فيه في سورة الأنعام . والجملة معطوفة على التي قبلها . وهي من عداد ما وقع بعد ( أن ) التفسيرية من قوله :
أَلَّا تَعْبُدُوا
الآيات [ الإسراء : 23 ] . وهي الوصية الحادية عشرة . وجملة
إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
تعليل للأمر ، أي للإيجاب الذي اقتضاه ، وإعادة لفظ
الْعَهْدَ
في مقام إضماره للاهتمام به ، ولتكون هذه الجملة مستقلة فتسري مسرى المثل . وحذف متعلق
مَسْؤُلًا
لظهوره ، أي مسؤولا عنه ، أي يسألكم اللّه عنه يوم القيامة .