تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
على مكانتها حتى تكون مرهوبة الجانب مرموقة بعين الاعتبار غير محتاجة إلى من قد يستغل حاجتها فيبتز منافعها ويدخلها تحت نير سلطانه . ولهذا أضاف اللّه تعالى الأموال إلى ضمير المخاطبين في قوله :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
[ النساء : 5 ] ولم يقل أموالهم مع أنها أموال السفهاء ، لقوله بعده :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
[ النساء : 6 ] فأضافها إليهم حين صاروا رشداء . وما منع السفهاء من التصرف في أموالهم إلا خشية التبذير . ولذلك لو تصرف السفيه في شيء من ماله تصرف السداد والصلاح لمضى . وذكر المفعول المطلق
تَبْذِيراً
بعد
وَلا تُبَذِّرْ
لتأكيد النهي كأنه قيل : لا تبذر ، لا تبذر ، مع ما في المصدر من استحضار جنس المنهي عنه استحضارا لما تتصور عليه تلك الحقيقة بما فيها من المفاسد . وجملة
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
تعليل للمبالغة في النهي عن التبذير . والتعريف في
الْمُبَذِّرِينَ
تعريف الجنس ، أي الذين عرفوا بهذه الحقيقة كالتعريف في قوله :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 2 ] . والإخوان جمع أخ ، وهو هنا مستعار للملازم غير المفارق لأن ذلك شأن الأخ ، كقولهم : أخو العلم ، أي ملازمه والمتصف به ، وأخو السفر لمن يكثر الأسفار . وقول عدي بن زيد :
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج * لة تجبي إليه والخابور
يريد صاحب قصر الحضر ، وهو ملك بلد الحضر المسمى الضيزن بن معاوية القضاعي الملقّب السيطرون . والمعنى : أنهم من أتباع الشياطين وحلفائهم كما يتابع الأخ أخاه . وقد زيد تأكيد ذلك بلفظ
كانُوا
المفيد أن تلك الأخوة صفة راسخة فيهم ، وكفي بحقيقة الشيطان كراهة في النفوس واستقباحا . ومعنى ذلك : أن التبذير يدعو إليه الشيطان لأنه إما إنفاق في الفساد وإما إسراف يستنزف المال في السفاسف واللذات فيعطل الإنفاق في الخير وكل ذلك يرضي الشيطان ،
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 65 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور