تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
والوجه أن تحديد ذلك بالمقدار حوالة على ما لا ينضبط وأن محمل الحديث مع اختلاف روايتيه على أن الأم أرجح على الإجمال . ثم أمر بالدعاء لهما برحمة اللّه إياهما وهي الرحمة التي لا يستطيع الولد إيصالها إلى أبويه إلا بالابتهال إلى اللّه تعالى . وهذا قد انتقل إليه انتقالا بديعا من قوله :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
فكان ذكر رحمة العبد مناسبة للانتقال إلى رحمة اللّه ، وتنبيها على أن التخلق بمحبة الولد الخير لأبويه يدفعه إلى معاملته إياهما به فيما يعلمانه وفيما يخفى عنهما حتى فيما يصل إليهما بعد مماتهما . وفي الحديث « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم بثه في صدور الرجال ، وولد صالح يدعو له بخير » . وفي الآية إيماء إلى أن الدعاء لهما مستجاب لأن اللّه أذن فيه . والحديث المذكور مؤيد ذلك إذ جعل دعاء الولد عملا لأبويه . وحكم هذا الدعاء خاص بالأبوين المؤمنين بأدلة أخرى دلت على التخصيص كقوله :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
[ التوبة : 113 ] الآية . والكاف في قوله :
كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
للتشبيه المجازي يعبر عنه النحاة بمعنى التعليل في الكاف ، ومثاله قوله تعالى :
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ
[ البقرة : 198 ] ، أي ارحمهما رحمة تكافئ ما ربياني صغيرا . و
صَغِيراً
حال من ياء المتكلم . والمقصود منه تمثيل حالة خاصة فيها الإشارة إلى تربية مكيفة برحمة كاملة فإن الأبوة تقتضي رحمة الولد ، وصغر الولد يقتضي الرحمة به ولو لم يكن ولدا فصار قوله :
كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
قائما مقام قوله كما ربياني ورحماني بتربيتهما . فالتربية تكملة للوجود ، وهي وحدها تقتضي الشكر عليها . والرحمة حفظ للوجود من اجتناب انتهاكه وهو مقتضى الشكر ، فجمع الشكر على ذلك كله بالدعاء لهما بالرحمة . والأمر يقتضي الوجوب . وأما مواقع الدعاء لهما فلا تنضبط وهو بحسب حال كل امرئ في أوقات ابتهاله . وعن سفيان بن عيينة إذا دعا لهما في كل تشهد فقد امتثل . ومقصد الإسلام من الأمر ببر الوالدين وبصلة الرحم ينحل إلى مقصدين :
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 59 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور