تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
وكأنما ينأى بجانب دفّها ال * وحشيّ من هزج العشي مؤوم « 1 »
فالمفاد من قوله :
وَنَأى بِجانِبِهِ
صد عن العبادة والشكر . وهذا غير المفاد من معنى
أَعْرَضَ
فليس تأكيدا له ، فالمعنى : أعرض وتباعد . وحذف متعلق
أَعْرَضَ وَنَأى
لدلالة المقام عليه من قوله :
أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ
، أي أعرض عنا وأجفل منا ، أي من عبادتنا وأمرنا ونهينا . وقرأ الجمهور
وَنَأى
بهمزة بعد النون وألف بعد الهمزة . وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان وأبو جعفر وناء بألف بعد النون ثم همزة . وهذا من القلب المكاني لأن العرب قد يتطلبون تخفيف الهمزة إذا وقعت بعد حرف صحيح وبعدها مدة فيقلبون المدة قبل الهمزة لأن وقوعها بعد المد أخف . من ذلك قولهم : راء في رأى ، وقولهم : آرام في أرام ، جمع رئم ، وقيل : ناء في هذه القراءة بمعنى ثقل ، أي عن الشكر ، أي في معنى قوله تعالى :
وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
[ الأعراف : 176 ] . وجملة
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً
احتراس من أن يتوهم السامع من التقييد بقوله :
وَإِذا أَنْعَمْنا
أنه إذا زالت عنه النعمة صلح حاله فبين أن حاله ملازم لنكران الجميل في السراء والضراء ، فإذا زالت النعمة عنه لم يقلع عن الشرك والكفر ويتب إلى اللّه ولكنه ييأس من الخير ويبقى حنقا ضيق الصدر لا يعرف كيف يتدارك أمره . ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله في سورة فصلت [ 51 ]
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
كما سيأتي هنالك . ودل قوله :
كانَ يَؤُساً
على قوة يأسه إذ صيغ له مثال المبالغة . وأقحم معه فعل ( كان ) الدال على رسوخ الفعل ، تعجيبا من حاله في وقت مس الضر إياه لأن حالة الضر أدعى إلى الفكرة في وسائل دفعه ، بخلاف حالة الإعراض في وقت النعمة فإنها حالة لا يستغرب فيها الازدهاء لما هو فيه من النعمة . [ 84 ]

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 84 ]

قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ( 84 )
هامش
( 1 ) أراد أنها مجفلة في سيرها نشطة ، فهي حين تسير تميل إلى جانبها كان هرا يخدش جانبها الأيسر فتميل إلى جهة اليمين ، أي لا تسير على استقامة ، وذلك من نشاط الدواب .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 152 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور