تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
ما عدا سيبويه ؛ وإما ظرف لفعل محذوف دل عليه التقسيم الذي بعده ، أعني قوله :
فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ
إلى قوله :
وَأَضَلُّ سَبِيلًا
. وتقدير المحذوف : تتفاوت الناس وتتغابن . وبيّن تفصيل ذلك المحذوف بالتفريع بقوله :
فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ
إلخ . والإمام : ما يؤتم به ، أي يعمل على مثل عمله أو سيرته . والمراد به هنا مبين الدين : من دين حق للأمم المؤمنة ومن دين كفر وباطل للأمم الضالة . ومعنى دعاء الناس أن يدعى يا أمة فلان ويا أتباع فلان ، مثل : يا أمة محمد ، يا أمة موسى ، يا أمة عيسى ، ومثل : يا أمة زرادشت . ويا أمة برهما ، ويا أمة بوذا ، ومثل : يا عبدة العزى ، يا عبدة بعل ، يا عبدة نسر . والباء لتعدية فعل
نَدْعُوا
لأنه يتعدى بالباء ، يقال : دعوته بكنيته وتداعوا بشعارهم . وفائدة ندائهم بمتبوعيهم التعجيل بالمسرة لاتباع الهداة وبالمساءة لاتباع الغواة ، لأنهم إذا دعوا بذلك رأوا متبوعيهم في المقامات المناسبة لهم فعلموا مصيرهم . وفرع على هذا قوله :
فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ
تفريع التفصيل لما أجمله قوله :
نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
، أي ومن الناس من يؤتى كتابه ، أي كتاب أعماله بيمينه . وقوله :
فَمَنْ أُوتِيَ
عطف على مقدر يقتضيه قوله :
نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
أي فيؤتون كتبهم ، أي صحائف أعمالهم . وإيتاء الكتاب باليمين إلهام صاحبه إلى تناوله باليمين . وتلك علامة عناية بالمأخوذ ، لأن اليمين يأخذ بها من يعزم عملا عظيما قال تعالى :
لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
[ الحاقة : 45 ] ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « من تصدق بصدقة من كسب طيب - ولا يقبل اللّه إلا طيبا - تلقاها الرحمن بيمينه وكلتا يديه يمين . . . » إلخ ، وقال الشمّاخ :
إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين
وأما أهل الشقاوة فيؤتون كتبهم بشمائلهم ، كما في آية الحاقة [ 25 ]
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ
. والإتيان باسم الإشارة بعد فاء جواب ( أما ) ، للتنبيه على أنهم دون غيرهم يقرءون كتابهم ، لأن في اطلاعهم على ما فيه من فعل الخير والجزاء عليه مسرة لهم ونعيما بتذكر
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 133 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور