والخصيم من صيغ المبالغة ، أي كثير الخصام .
و
مُبِينٌ
خبر ثان عن ضمير
فَإِذا هُوَ
، أي فإذا هو متكلم مفصح عما في ضميره ومراده بالحقّ أو بالباطل والمنطق بأنواع الحجّة حتى السفسطة .
والمراد : الخصام في إثبات الشركاء ، وإبطال الوحدانية ، وتكذيب من يدعون إلى التوحيد ، كما دل عليه قوله تعالى في سورة يس [ 77 ، 78 ] :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
[ سورة يس : 77 - 78 ] .
والإتيان بحرف ( إذا ) المفاجأة استعارة تبعية . استعير الحرف الدال على معنى المفاجأة لمعنى ترتّب الشيء على غير ما يظن أن يترتب عليه . وهذا معنى لم يوضع له حرف . ولا مفاجأة بالحقيقة هنا لأن اللّه لم يفجأه ذلك ولا فجأ أحدا ، ولكن المعنى أنّه بحيث لو تدبر النّاظر في خلق الإنسان لترقب منه الاعتراف بوحدانية خالقه وبقدرته على إعادة خلقه ، فإذا سمع منه الإشراك والمجادلة في إبطال الوحدانية وفي إنكار البعث كان كمن فجأة ذلك . ولما كان حرف المفاجأة يدل على حصول الفجأة للمتكلم به تعيّن أن تكون المفاجأة استعارة تبعية .
فإقحام حرف المفاجأة جعل الكلام مفهما أمرين هما : التعجيب من تطوّر الإنسان من أمهن حالة إلى أبدع حالة وهي حالة الخصومة والإبانة الناشئتين عن التفكير والتعقل ، والدلالة على كفرانه النعمة وصرفه ما أنعم به عليه في عصيان المنعم عليه . فالجملة في حدّ ذاتها تنويه ، وبضميمة حرف المفاجأة أدمجت مع التنويه التعجيب . ولو قيل : فهو خصيم أو فكان خصيما لم يحصل هذا المعنى البليغ .
[ 5 - 7 ]
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 5 إلى 7 ]
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 5 ) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 ) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 7 )
يجوز أن يعطف
الْأَنْعامَ
عطف المفرد على المفرد عطفا على
الْإِنْسانَ
[ سورة النحل : 4 ] ، أي خلق الإنسان من نطفة والأنعام ، وهي أيضا مخلوقة من نطفة ، فيحصل اعتبار بهذا التكوين العجيب لشبهه بتكوين الإنسان ، وتكون جملة
خَلَقَها
بمتعلقاتها مستأنفة ، فيحصل بذلك الامتنان .