تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
ثُمَّ
للترتيب الرتبي المشير إلى أن مضمون الجملة المعطوفة متباعد في رتبة الرفعة على مضمون ما قبلها تنويها جليلا بشأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبشريعة الإسلام ، وزيادة في التّنويه بإبراهيم - عليه السلام - ، أي جعلناك متّبعا ملّة إبراهيم ، وذلك أجلّ ما أوليناكما من الكرامة . وقد بيّنت آنفا أن هذه الجملة هي المقصود ، وأن جملة
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
[ سورة النحل : 120 ] إلخ . تمهيد لها . وزيد
أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
للتّنبيه على أن اتّباع محمد ملّة إبراهيم كان بوحي من اللّه وإرشاد صادق ، تعريضا بأن الذين زعموا اتباعهم ملّة إبراهيم من العرب من قبل قد أخطئوها بشبهة مثل أميّة بن أبي الصلت ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، أو بغير شبهة مثل مزاعم قريش في دينهم . و
أَنِ
تفسيرية لفعل
أَوْحَيْنا
لأن فيه معنى القول دون حروفه ، فاحتيج إلى تفسيره بحرف التفسير . والاتّباع : اقتفاء السير على سير آخر . وهو هنا مستعار للعمل بمثل عمل الآخر . وانتصب
حَنِيفاً
على الحال من
إِبْراهِيمَ
فيكون زيادة تأكيد لمماثله قبله أو حالا من ضمير
إِلَيْكَ
أو من ضمير
اتَّبِعْ
، أي كن يا محمد حنيفا كما كان إبراهيم حنيفا . ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « بعثت بالحنيفية السمحة » . وتفسير فعل
أَوْحَيْنا
بجملة
أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
تفسير بكلام جامع لما أوحى اللّه به إلى محمد - عليه الصلاة والسلام - من شرائع الإسلام مع الإعلام بأنها مقامة على أصول ملّة إبراهيم . وليس المراد أوحينا إليك كلمة
اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا يعلم تفاصيل ملّة إبراهيم ، فتعيّن أن المراد أن الموحى به إليه منبجس من شريعة إبراهيم - عليه السلام - . وقوله :
وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
هو مما أوحاه اللّه إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المحكي بقوله :
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
، وهو عطف على
حَنِيفاً
على كلا الوجهين في صاحب ذلك الحال ، فعلى الوجه الأول يكون الحال زيادة تأكيد لقوله قبله :
وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ سورة النحل : 120 ] ، وعلى الوجه الثاني يكون تنزيها لشريعة الإسلام المتبعة لملّة إبراهيم من أن يخالطها شيء من الشرك . ونفي كونه من المشركين هنا بحرف
ما
النافية لأن
ما
إذا نفت فعل
كانَ