تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
ومناسبة هذا التحديد في المحرّمات أن بعض المسلمين كانوا بأرض غربة وقد يؤكل فيها لحم الخنزير وما أهلّ به لغير اللّه ، وكان بعضهم ببلد يؤكل فيه الدم وما أهلّ به لغير اللّه . وقد مضى تفسير نظير هذه الآية في سورة البقرة والأنعام . [ 116 ، 117 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 116 إلى 117 ]

وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) عاد الخطاب إلى المشركين بقرينة قوله :
لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
. فالجملة معطوفة على جملة
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً
[ سورة النحل : 112 ] الآية . وفيه تعريض بتحذير المسلمين لأنهم كانوا قريبي عهد بجاهلية ، فربّما بقيت في نفوس بعضهم كراهية أكل ما كانوا يتعفّفون عن أكله في الجاهلية . وعلّق النهي بقولهم :
هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
. ولم يعلّق بالأمر بأكل ما عدا ما حرم لأن المقصود النهي عن جعل الحلال حراما والحرام حلالا لا أكل جميع الحلال وترك جميع الحرام حتى في حال الاضطرار ، لأن إمساك المرء عن أكل شيء لكراهية أو عيف هو عمل قاصر على ذاته . وأما قول :
وَهذا حَرامٌ
فهو يفضي إلى التحجير على غيره ممن يشتهي أن يتناوله . واللام في قوله :
لِما تَصِفُ
هي إحدى اللامين اللّتين يتعدّى بهما فعل القول وهي التي بمعنى ( عن ) الداخلة على المتحدّث عنه فهي كاللام في قوله :
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا
[ سورة آل عمران : 168 ] ، أي قالوا عن إخوانهم . وليست هي لام التقوية الداخلة على المخاطب بالقول . و
تَصِفُ
معناه تذكر وصفا وحالا ، كما في قوله تعالى :
وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى
[ سورة النحل : 62 ] . وقد تقدم ذلك في هذه السورة ، أي لا تقولوا ذلك وصفا كذبا لأنه تقوّل لم يقله الذي له التحليل والتحريم وهو اللّه تعالى . وانتصب
الْكَذِبَ
على المفعول المطلق ل
تَصِفُ
، أي وصفا كذبا ، لأنه مخالف للواقع ، لأن الذي له التحليل والتحريم لم ينبئهم بما قالوا ولا نصب لهم دليلا عليه .