تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
والطّبع : مستعار لمنع وصول الإيمان وأدلّته ، على طريقة تشبيه المعقول بالمحسوس . وقد تقدّم مفصّلا عند قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
في سورة البقرة [ 7 ] . وجملة
وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
تكملة للبيان ، أي الغافلون الأكملون في الغفلة ، لأن الغافل البالغ الغاية ينافي حالة الاهتداء . والقصر قصر موصوف على صفة ، وهو حقيقي ادعائي يقصد به المبالغة ، لعدم الاعتداد بالغافلين غيرهم ، لأنهم بلغوا الغاية في الغفلة حتى عدّ كل غافل غيرهم كمن ليس بغافل . ومن هنا جاء معنى الكمال في الغفلة لا من لام التّعريف . وجملة
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ
واقعة موقع النتيجة لما قبلها ، لأن ما قبلها صار كالدليل على مضمونها ، ولذلك افتتحت بكلمة نفي الشكّ . فإن
لا جَرَمَ
بمعنى ( لا محالة ) أو ( لا بد ) . وقد تقدّم آنفا في هذه السورة عند قوله تعالى :
لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
وتقدم بسط تفسيرها عند قوله تعالى :
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
في سورة هود [ 22 ] . والمعنى : أن خسارتهم هي الخسارة ، لأنهم أضاعوا النعيم إضاعة أبدية . ويجري هذا المعنى على كلا الوجهين المتقدّمين في ما صدق ( من ) من قوله :
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ
[ سورة النحل : 106 ] الآية . ووقع في سورة هود [ 22 ]
هُمُ الْأَخْسَرُونَ
، ووقع هنا
هُمُ الْخاسِرُونَ
لأن آية سورة هود [ 21 ] تقدّمها
أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
، فكان المقصود بيان أن خسارتهم في الآخرة أشدّ من خسارتهم في الدنيا . [ 110 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 110 ]

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 110 ) عطف على جملة
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ
إلى قوله :
هُمُ الْخاسِرُونَ
[ سورة النحل : 106 - 109 ] . و
ثُمَّ
للترتيب الرتبي ، كما هو شأنها في عطفها الجمل . وذلك أن مضمون هذه الجلة المعطوفة أعظم رتبة من المعطوف عليها ، إذ لا أعظم من رضى اللّه تعالى كما قال