تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
ومساءلة العرب عن بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كثيرة واقعة . وأصرحها ما رواه البخاري عن أبي ذرّ أنه قال : « كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكّة يزعم أنه نبيء ، فقلت لأخي أنيس : انطلق إلى هذا الرجل كلّمه وائتني بخبره ، فانطلق فلقيه ثم رجع ، فقلت : ما عندك ؟ فقال : واللّه لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهى عن الشرّ . فقلت : لم تشفني من الخير ، فأخذت جرابا وعصا ثم أقبلت إلى مكّة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه ، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد . . . » إلى آخر الحديث . وسؤال السّائلين لطلب الخبر عن المنزل من اللّه يدلّ على أن سؤالهم سؤال مسترشد عن دعوى بلغتهم وشاع خبرها في بلاد العرب ، وأنهم سألوا عن حسن طويّة ، ويصوغون السؤال عن الخبر كما بلغتهم دعوته . وأما الجواب فهو جواب بليغ تضمّن بيان نوع هذا الكلام ، وإبطال أن يكون منزلا من عند اللّه لأن أساطير الأولين معروفة والمنزّل من عند اللّه شأنه أن يكون غير معروف من قبل . و
ما ذا
كلمة مركبة من ( ما ) الاستفهامية واسم الإشارة ، ويقع بعدها فعل هو صلة لموصول محذوف ناب عنه اسم الإشارة . والمعنى : ما هذا الذي أنزل . و ( ما ) يستفهم بها عن بيان الجنس ونحوه . وموضعها أنها خبر مقدّم . وموضع اسم الإشارة الابتداء . والتقدير : هذا الذي أنزل ربكم ما هو . وقد تسامح النحويون فقالوا : إن ( ذا ) من قولهم ( ما ذا ) صارت اسم موصول . وتقدم عند قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ
في سورة البقرة [ 215 ] . و
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه ما في السؤال . والتقدير : هو أساطير الأوّلين ، أي المسؤول عنه أساطير الأوّلين . ويعلم من ذلك أنه ليس منزّلا من ربهم لأن أساطير الأوّلين لا تكون منزّلة من اللّه كما قلناه آنفا . ولذلك لم يقع
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
منصوبا لأنه لو نصب لاقتضى التقدير : أنزل أساطير الأولين ، وهو كلام متناقض . لأن أساطير الأولين السابقة لا تكون الذي أنزل اللّه الآن . والأساطير : جمع أسطار الذي هو جمع سطر . فأساطير جمع الجمع . وقال المبرّد : جمع أسطورة - بضم الهمزة - كأرجوحة . وهي مؤنثة باعتبار أنها قصة مكتوبة . وهذا الذي