تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
والمقصود من هذه الجملة التصريح بما استفيد ضمنا مما قبلها وهو نفي الخالقية ونفي العلم عن الأصنام . فالخبر الأول وهو جملة
لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً
استفيد من جملة
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
. [ سورة النحل : 17 ] وعطف
وَهُمْ يُخْلَقُونَ
ارتقاء في الاستدلال على انتفاء إلهيتها . والخبر الثاني وهو جملة
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ
تصريح بما استفيد من جملة
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ
[ سورة النحل : 19 ] بطريقة نفي الشيء بنفي ملزومه . وهي طريقة الكناية التي هي كذكر الشيء بدليله . فنفي الحياة عن الأصنام في قوله :
غَيْرُ أَحْياءٍ
يستلزم نفي العلم عنها لأن الحياة شرط في قبول العلم ، ولأن نفي أن يكونوا يعلمون ما هو من أحوالهم يستلزم انتفاء أن يعلموا أحوال غيرهم بدلالة فحوى الخطاب ، ومن كان هكذا فهو غير إله . وأسند
يَخْلُقُونَ
إلى النائب لظهور الفاعل من المقام ، أي وهم مخلوقون للّه تعالى ، فإنهم من الحجارة التي هي من خلق اللّه ، ولا يخرجها نحت البشر إيّاها على صور وأشكال عن كون الأصل مخلوقا للّه تعالى . كما قال تعالى حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - قوله :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
[ سورة الصافات : 96 ] . وجملة
غَيْرُ أَحْياءٍ
تأكيد لمضمون جملة
أَمْواتٌ
، للدلالة على عراقة وصف الموت فيهم بأنه ليس فيه شائبة حياة لأنهم حجارة . ووصفت الحجارة بالموت باعتبار كون الموت عدم الحياة . ولا يشترط في الوصف بأسماء الأعدام قبول الموصوفات بها لملكاتها ، كما اصطلح عليه الحكماء ، لأن ذلك اصطلاح منطقي دعا إليه تنظيم أصول المحاجة . وقرأ عاصم ويعقوب
يَدْعُونَ
بالتحتية . وفيها زيادة تبيين لصرف الخطاب إلى المشركين في قراءة الجمهور . وجملة
وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
إدماج لإثبات البعث عقب الكلام على إثبات الوحدانية للّه تعالى ، لأن هذين هما أصل إبطال عقيدة المشركين ، وتمهيد لوجه التلازم بين إنكار البعث وبين إنكار التوحيد في قوله تعالى
فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
[ سورة النحل : 22 ] . ولذلك فالظاهر أن ضميري
يَشْعُرُونَ
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 101 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور