تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
لسببه ، أعني الكلمة التي اجتثت من فوق الأرض كما دلت عليه المقابلة . والظالمون : المشركون ، قال تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ سورة لقمان : 13 ] . ومن مظاهر هذا التثبيت فيهما ما ورد من وصف فتنة سؤال القبر . روى البخاري والترمذي عن البراء بن عازب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه » فذلك قوله تعالى :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
. وجملة
وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
كالتذليل لما قبلها . وتحت إبهام
ما يَشاءُ
وعمومه مطاو كثيرة من ارتباط ذلك بمراتب النفوس ، وصفاء النيات في تطلب الإرشاد ، وتربية ذلك في النفوس بنمائه في الخير والشر حتى تبلغ بذور تينك الشجرتين منتهى أمدهما من ارتفاع في السماء واجتثاث من فوق الأرض المعبر عنها بالتثبيت والإضلال . وفي كل تلك الأحوال مراتب ودرجات لا تبلغ عقول البشر تفصيلها . وإظهار اسم الجلالة في
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
لقصد أن تكون كل جملة من الجمل الثلاث مستقلة بدلالتها حتى تسير مسير المثل . [ 28 ، 29 ]

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 28 إلى 29 ]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 28 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ ( 29 ) أعقب تمثيل الدينين ببيان آثارهما في أصحابهما . وابتدئ بذكر أحوال المشركين لأنها أعجب والعبرة بها أولى والحذر منها مقدّم على التحلي بضدها ، ثم أعقب بذكر أحوال المؤمنين بقوله :
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
إلخ . والاستفهام مستعمل في التشويق إلى رؤية ذلك . والرؤية هنا بصرية لأن متعلقها مما يرى ، ولأن تعدية فعلها ب
إِلَى
يرجح ذلك ، كما في قوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ
[ سورة البقرة : 258 ] . وقد نزل المخاطب منزلة من لم ير . والخطاب لمن يصح منه النظر إلى حال هؤلاء الذين بدلوا نعمة اللّه مع وضوح حالهم . والكفر : كفران النعمة ، وهو ضد الشكر ، والإشراك باللّه من كفران نعمته .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 252 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور