تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
استئناف بياني ناشئ عن جملة
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ
فإن هلاك فئة كاملة شديدة القوة والمرة أمر عجيب يثير في النفوس السؤال : كيف تهلك فئة مثل هؤلاء ؟ ؟ فيجاب بأن اللّه الذي قدر على خلق السماوات والأرض في عظمتها قادر على إهلاك ما هو دونها ، فمبدأ الاستئناف هو قوله :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
. وموقع جملة
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
موقع التعليل لجملة الاستئناف ، قدم عليها كما تجعل النتيجة مقدمة في الخطابة والجدال على دليلها . وقد بيناه في كتاب « أصول الخطابة » . ومناسبة موقع هذا الاستئناف ما سبقه من تفرق الرماد في يوم عاصف . والخطاب في
أَ لَمْ تَرَ
لكل من يصلح للخطاب غير معيّن ، وكل من يظن به التساؤل عن إمكان إهلاك المشركين . والرؤية : مستعملة في العلم الناشئ عن النظر والتأمل ، لأن السماوات والأرض مشاهدة لكل ناظر ، وأما كونها مخلوقة للّه فمحتاج إلى أقل تأمل لسهولة الانتقال من المشاهدة إلى العلم ، وأما كون ذلك ملتبسا بالحق فمحتاج إلى تأمل عميق . فلمّا كان أصل ذلك كله رؤية المخلوقات المذكورة علق الاستدلال على الرؤية ، كقوله تعالى :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ سورة إبراهيم : 101 ] . والحق هنا : الحكمة ، أي ضد العبث ، بدليل مقابلته به في قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
[ سورة الدخان : 38 ، 39 ] . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
بصيغة اسم الفاعل مضاف إلى
السَّماواتِ
وبخفض
وَالْأَرْضَ
. والخطاب في
يُذْهِبْكُمْ
لجماعة من جملتهم المخاطب ب
أَ لَمْ تَرَ
. والمقصود : التعريض بالمشركين خاصة ، تأكيدا لوعيدهم الذي اقتضاه قوله :
لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ
، أي إن شاء أعدم الناس كلهم وخلق ناسا آخرين . وقد جيء في الاستدلال على عظيم القدرة بالحكم الأعم إدماجا للتعليم بالوعيد وإظهارا لعظيم القدرة . وفيه إيماء إلى أنه يذهب الجبابرة المعاندين ويأتي في مكانهم في سيادة الأرض بالمؤمنين ليمكنهم من الأرض .