تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
وذكر
مِنْ كُلِّ بابٍ
كناية عن كثرة غشيان الملائكة إياهم بحيث لا يخلو باب من أبواب بيوتهم لا تدخل منه ملائكة . ذلك أن هذا الدخول لما كان مجلبة مسرة كان كثيرا في الأمكنة . ويفهم منه أن ذلك كثير في الأزمنة فهو متكرر لأنهم ما دخلوا من كل باب إلا لأن كل باب مشغول بطائفة منهم ، فكأنه قيل من كل باب في كل آن . وجملة
سَلامٌ عَلَيْكُمْ
مقول قول محذوف لأن هذا لا يكون إلا كلاما من الداخلين . وهذا تحية يقصد منها تأنيس أهل الجنة . والباء في
بِما صَبَرْتُمْ
للسببية ، وهي متعلقة بالكون المستفاد من المجرور وهو
عَلَيْكُمْ
. والتقدير : نالكم هذا التكريم بالسلام بسبب صبركم . ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف مستفاد من المقام ، أي هذا النعيم المشاهد بما صبرتم . والمراد : الصبر على مشاق التكاليف وعلى ما جاهدوا بأموالهم وأنفسهم . وفرع على ذلك
فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
تفريع ثناء على حسن عاقبتهم . والمخصوص بالمدح محذوف لدلالة مقام الخطاب عليه . والتقدير : فنعم عقبى الدار دار عقباكم . وتقدم معنى
عُقْبَى الدَّارِ
آنفا . [ 25 ]

[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 25 ]

وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 25 ) هذا شرح حال أضداد الذين يوفون بعهد اللّه ، وهو ينظر إلى شرح مجمل قوله :
كَمَنْ هُوَ أَعْمى
[ سورة الرعد : 19 ] . والجملة معطوفة على جملة
الَّذِينَ يُوفُونَ
[ الرعد : 20 ] . ونقض العهد : إبطاله وعدم الوفاء به . وزيادة
مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
زيادة في تشنيع النقض ، أي من بعد توثيق العهد وتأكيده . وتقدم نظير هذه الآية قوله تعالى :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
في أوائل سورة البقرة : 26 - 27 ] . وجملة
أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ
خبر عن
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ
وهي مقابل جملة
أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ
.
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 178 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور