تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
كما في شأن التذييل . [ 18 ]

[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 18 ]

لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 18 ) استئناف بياني لجملة
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
، أي فائدة هذه الأمثال أن للذين استجابوا لربهم حين يضربها لهم الحسنى إلى آخره . فمناسبته لما تقدم من التمثيلين أنهما عائدان إلى أحوال المسلمين والمشركين . ففي ذكر هذه الجملة زيادة تنبيه للتمثيل وللغرض منه مع ما في ذلك من جزاء الفريقين لأن المؤمنين استجابوا للّه بما عقلوا الأمثال فجوزوا بالحسنى ، وأما المشركون فأعرضوا ولم يعقلوا الأمثال ، قال تعالى :
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ سورة العنكبوت : 43 ] ، فكان جزاؤهم عذابا عظيما وهو سوء الحساب الذي عاقبته المصير إلى جهنم . فمعنى
اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ
استجابوا لدعوته بما تضمنه المثل السابق وغيره . وقوله :
الْحُسْنى
مبتدأ و
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا
خبره . وفي العدول إلى الموصولين وصلتيهما في قوله :
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا
-
وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا
إيماء إلى أن الصلتين سببان لما حصل للفريقين . وتقديم المسند في قوله :
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى
لأنه الأهم لأن الغرض التنويه بشأن الذين استجابوا مع جعل الحسنى في مرتبة المسند إليه ، وفي ذلك تنويه بها أيضا . وأما الخبر عن وعيد الذين لم يستجيبوا فقد أجري على أصل نظم الكلام في التقديم والتأخير لقلة الاكتراث بهم . وتقدم نظير قوله :
لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
في سورة العقود [ 36 ] . وأتي باسم الإشارة في
أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ
للتنبيه على أنهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة من الخبر بسبب ما قبل اسم الإشارة من الصلة . و
سُوءُ الْحِسابِ
ما يحف بالحساب من إغلاظ وإهانة للمحساب . وأما أصل الحساب فهو حسن لأنه عدل .