تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
تعالى :
وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ
[ البقرة : 19 ] وقوله تعالى :
لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ
[ يوسف : 66 ] وقوله :
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
[ الكهف : 42 ] أي هلكت . فمعنى
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
ظنوا الهلاك . وجملة :
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
جواب
إِذا
. ومعنى مخلصين له الدين ممحضين له العبادة في دعائهم ، أي دعوه ولم يدعوا معه أصنامهم . وليس المراد أنهم أقلعوا عن الإشراك في جميع أحوالهم بل تلك حالتهم في الدعاء عند الشدائد . وهذا إقامة حجة عليهم ببعض أحوالهم ، مثل قوله تعالى :
أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ
[ الأنعام : 40 ، 41 ] . وجملة :
لَئِنْ أَنْجَيْتَنا
بيان لجملة
دَعَوُا
لأن مضمونها هو الدعاء . والإشارة ب
هذِهِ
إلى حالة حاضرة لهم ، وهي حالة إشرافهم على الغرق ، فالمشار إليه هو الحالة المشاهدة لهم . وقد أكد وعدهم بالشكر بثلاث مؤكدات : لام توطئة القسم ، ونون التوكيد ، والتعبير بصيغة
مِنَ الشَّاكِرِينَ
دون لنكونن شاكرين ، لما يفيده من كونهم من هذه الزمرة التي ديدنها الشكر ، كما تقدم بيان خصوصية مثل هذا التركيب عند قوله تعالى :
قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
في سورة الأنعام [ 56 ] . وأتى بحرف ( إذا ) الفجائية في جواب ( لما ) للدلالة على تعجيلهم بالبغي في الأرض عقب النجاة . والبغي : الاعتداء . وتقدم في قوله :
وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
في سورة الأعراف [ 33 ] . والمراد به هنا الإشراك كما صرح به في نظيرها
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ
[ العنكبوت : 65 ] . وسمي الشرك بغيا لأنه اعتداء على حق الخالق وهو أعظم اعتداء ، كما يسمى ظلما في آيات كثيرة منها قوله :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] . ولا يحسن تفسير البغي هنا بالظلم والفساد في الأرض ، إذ ليس ذلك شأن جميعهم فإن منهم حلماء قومهم ، ولأنه لا يناسب قوله بعد
إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
. ولمعنى هذه الآية في القرآن نظائر ، كقوله :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
[ الزمر : 8 ] الآية . وزيادة
فِي الْأَرْضِ
لمجرد تأكيد تمكنهم من النجاة . وهو كقوله تعالى :
فَلَمَّا