تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
والقرون : جمع قرن وأصله مدة طويلة من الزمان ، والمراد به هنا أهل القرون . وتقدم بيانه عند قوله تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ
في سورة الأنعام [ 6 ] . وقوله :
مِنْ قَبْلِكُمْ
حال من القرون . و
لَمَّا
اسم زمان بمعنى حين على التحقيق ، وتضاف إلى الجملة . والعرب أكثروا في كلامهم تقديم ( لما ) في صدر جملتها فأشمّت بذلك التقديم رائحة الشرطية فأشبهت الشروط لأنها تضاف إلى جملة فتشبه جملة الشرط ، ولأن عاملها فعل مضي فبذلك اقتضت جملتين فأشبهت حروف الشرط . والمعنى : أهلكناهم حينما ظلموا ، أي أشركوا وجاءتهم رسلهم بالبينات مثل هود وصالح ولم يؤمنوا . وجملة :
وَجاءَتْهُمْ
معطوفة على جملة
ظَلَمُوا
. والبينات : جمع بينة ، وهي الحجة على الصدق ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
في سورة الأنعام [ 157 ] . وجملة :
وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
معطوفة عليها . ومجموع الجمل الثلاث هو ما وقّت به الإهلاك
وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا
[ القصص : 59 ] . وعبر عن انتفاء إيمانهم بصيغة لام الجحود مبالغة في انتفائه إشارة إلى اليأس من إيمانهم . وجملة :
كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
تذييل . والتعريف في
الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
للاستغراق فلذلك عم القرون الماضية وعم المخاطبين ، وبذلك كان إنذارا لقريش بأن ينالهم ما نال أولئك . والمراد بالإجرام أقصاه ، وهو الشرك . والقول في
كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
كالقول في نظيره آنفا . وكذلك ذكر لفظ ( القوم ) فهو كما في نظيره في هذه السورة وفي البقرة . [ 14 ]

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 14 ]

ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 14 ) عطف على
أَهْلَكْنَا
[ يونس : 13 ] وحرف ( ثم ) مؤذن ببعد ما بين الزمنين ، أي ثم