تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
وتأكيد الجملة بحرف
إِنَّ
للاهتمام وتحقيق الخبر . و
إِنَّ
فيه مفيدة معنى التّعليل والتفريع ، وهذا التعليل مؤذن بأنّ اللّه جعل الحسنات يذهبن السيّئات ، والتّعليل مشعر بعموم أصحاب الحسنات لأنّ الشأن أن تكون العلّة أعم من المعلول مع ما يقتضيه تعريف الجمع باللّام من العموم . وإذهاب السيّئات يشمل إذهاب وقوعها بأن يصير انسياق النّفس إلى ترك السّيئات سهلا وهيّنا كقوله تعالى :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
[ العنكبوت : 45 ] ويكون هذا من خصائص الحسنات كلّها . ويشمل أيضا محو إثمها إذا وقعت ، ويكون هذا من خصائص الحسنات كلّها فضلا من اللّه على عباده الصالحين . ومحمل السيّئات هنا على السيّئات الصغائر التي هي من اللّمم حملا لمطلق هذه الآية على مقيد آية
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ
[ النجم : 32 ] وقوله تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
[ النساء : 31 ] ، فيحصل من مجموع الآيات أنّ اجتناب الفواحش جعله اللّه سببا لغفران الصغائر أو أنّ الإتيان بالحسنات يذهب أثر السيئات الصغائر ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
في سورة النّساء [ 31 ] . روى البخاري عن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - : أنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فذكرت ذلك فأنزلت عليه
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ
فقال الرجل : ألي هذه ؟ قال : لمن عمل بها من أمّتي . وروى الترمذي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : إنّي عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسّها وها أنا ذا فاقض فيّ ما شئت ، فلم يرد عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا فانطلق الرجل فأتبعه رجلا فدعاه فتلا عليه
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ
إلى آخر الآية ، فقال رجل من القوم : هذا له خاصة ؟ قال : لا ، بل للنّاس كافة . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وأخرج الترمذي حديثين آخرين : أحدهما عن معاذ بن جبل ، والآخر عن أبي اليسر وهو صاحب القصة وضعّفهما . والظاهر أن المرويّ في هذه الآية هو الذي حمل ابن عبّاس وقتادة على القول بأنّ هذه الآية مدنيّة دون بقية هذه السورة لأنه وقع عند البخاري والترمذي قوله : ( فأنزلت عليه ) فإن كان كذلك كما ذكره الرّاوي فهذه الآية ألحقت بهذه السورة في هذا المكان لمناسبة وقوع قوله :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[ هود : 112 ] قبلها وقوله :
وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ