تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
فالجملة عطف على جملة
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ
[ هود : 109 ] . ولأجل ما فيها من معنى التّثبيت فرع عليها قوله :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[ هود : 112 ] . وقوله :
فَاخْتُلِفَ فِيهِ
أي في الكتاب ، وهو التّوراة . ومعنى الاختلاف فيه اختلاف أهل التّوراة في تقرير بعضها وإبطال بعض ، وفي إظهار بعضها وإخفاء بعض مثل حكم الرجم ، وفي تأويل البعض على هواهم ، وفي إلحاق أشياء بالكتاب على أنّها منه ، كما قال تعالى :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ البقرة : 79 ] . فهذا من شأنه أن يقع من بعضهم لا من جميعهم فيقتضي الاختلاف بينهم بين مثبت وناف ، وهذا الاختلاف بأنواعه وأحواله يرجع إلى الاختلاف في شيء من الكتاب . فجمعت هذه المعاني جمعا بديعا في تعدية الاختلاف بحرف ( في ) الدالة على الظرفيّة المجازيّة وهي كالملابسة ، أي فاختلف اختلافا يلابسه ، أي يلابس الكتاب . ولأنّ الغرض لم يكن متعلّقا ببيان المختلفين ولا بذمّهم لأنّ منهم المذموم وهم الذين أقدموا على إدخال الاختلاف ، ومنهم المحمود وهم المنكرون على المبدّلين كما قال تعالى :
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ
[ المائدة : 66 ] وسيجيء قوله :
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ
[ هود : 111 ] ، بل كان للتّحذير من الوقوع في مثله . بني فعل ( اختلف ) للمجهول إذ لا غرض إلّا في ذكر الفعل لا في فاعله .
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
. يجوز أن يكون عطفا على جملة
وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ
[ هود : 109 ] ويكون الاعتراض تمّ عند قوله :
فَاخْتُلِفَ فِيهِ
، وعليه فضمير
بَيْنَهُمْ
عائد إلى اسم الإشارة من قوله :
مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ
[ هود : 109 ] أي ولولا ما سبق من حكمة اللّه أن يؤخّر عنهم العذاب لقضي بينهم ، أي لقضى اللّه بينهم ، فأهلك المشركين والمخالفين ونصر المؤمنين . فيكون
بَيْنَهُمْ
هو نائب فاعل ( قضي ) . والتّقدير : لوقع العذاب بينهم ، أي فيهم . ويجوز أن يكون عطفا على جملة
فَاخْتُلِفَ فِيهِ
فيكون ضمير
بَيْنَهُمْ
عائدا إلى ما يفهم من قوله :
فَاخْتُلِفَ فِيهِ
لأنّه يقتضى جماعة مختلفين في أحكام الكتاب . ويكون
بَيْنَهُمْ
متعلّقا ب ( قضي ) ، أي لحكم بينهم بإظهار المصيب من المخطئ في أحكام