آمنوا وعملوا الصالحات في منازل الآخرة أعقب ببيان التنظير بين حالي الفريقين المشركين والمؤمنين بطريقة تمثيل ما تستحقه من ذم ومدح .
فالجملة فذلكة للكلام وتحصيل له وللتحذير من مواقعة سببه .
والمثل ، بالتحريك : الحالة والصفة كما في قوله تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
الآية من سورة الرعد [ 35 ] ، أي حالة الفريقين المشركين والمؤمنين تشبه حال الأعمى الأصم من جهة وحال البصير السميع من الجهة الأخرى ، فالكلام تشبيه وليس استعارة لوجود كاف التشبيه وهو أيضا تشبيه مفرد لا مركب .
والفريقان هما المعهودان في الذكر في هذا الكلام ، وهما فريق المشركين وفريق المؤمنين ، إذ قد سبق ما يؤذن بهذين الفريقين من قوله :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
[ هود : 18 ] . ثم قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ
[ هود :
23 ] الآية .
والفريق : الجماعة التي تفارق ، أي يخالف حالها حال جماعة أخرى في عمل أو نحلة وتقدم عند قوله تعالى :
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
في سورة الأنعام [ 81 ] .
شبه حال فريق الكفار في عدم الانتفاع بالنظر في دلائل وحدانية اللّه الواضحة من مخلوقاته بحال الأعمى ، وشبهوا في عدم الانتفاع بأدلة القرآن بحال من هو أصم .
وشبه حال فريق المؤمنين في ضد ذلك بحال من كان سليم البصر ، سليم السمع فهو في هدى ويقين من مدركاته .
وترتيب الحالين المشبه بهما في الذكر على ترتيب ذكر الفريقين فيما تقدم ينبئ بالمراد من كل فريق على طريقة النشر المرتب . والترتيب في اللف والنشر هو الأصل والغالب .
وقد علم أن المشبهين بالأعمى والأصم هو الفريق المقول فيهم
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ
[ هود : 20 ] .
والواو في قوله :
وَالْأَصَمِّ
للعطف على
كَالْأَعْمى
عطف أحد المشبهين على الآخر . وكذلك الواو في قوله :
وَالسَّمِيعِ
للعطف على
الْبَصِيرِ
.