فتقديم المجرور على متعلقه في قوله :
فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا
لإفادة القصر ، وهو قصر إضافي يفسره قوله :
عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ
[ يونس : 83 ] ، فآل المعنى إلى نهيهم عن مخافة فرعون .
والتوكل : تقدم آنفا في قصة نوح .
وجملة :
إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ
شرط ثان مؤكد لشرط
إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ
، فحصل من مجموع الجملتين أن حصول هذا التوكل متوقف على حصول إيمانهم وإسلامهم ، لمزيد الاعتناء بالتوكل وأنه ملازم للإيمان والإسلام ، ومبين أيضا للشرط الأول ، أي إن كان إيمانكم إيمان مسلم للّه ، أي مخلص له غير شائب إياه بتردد في قدرة اللّه ولا في أن وعده حق ، فحصل من مجموع الشرطين ما يقتضي تعليق كل من الشرطين على الشرط الآخر .
وهذا من مسألة تعليق الشرط على الشرط ، والإيمان : تصديق الرسول فيما جاء به وهو عمل قلبي ، ولا يعتبر شرعا إلا مع الإسلام ، والإسلام : النطق بما يدل على الإيمان ولا يعتبر شرعا إلا مع الإيمان ، فالإيمان انفعال قلبي نفساني ، والإسلام عمل جسماني ، وهما متلازمان في الاعتداد بهما في اتّباع الدين إذ لا يعلم حصول تصديق القلب إلا بالقول والطاعة ، وإذ لا يكون القول حقا إلا إذا وافق ما في النفس ، قال تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات :
14 ] . وقد ورد ذلك صريحا في حديث سؤال جبريل في « الصحيحين » .
وليس المراد أنهم إن لم يتوكلوا كانوا مؤمنين غير مسلمين ، ولا أنهم إن توكلوا كانوا مسلمين غير مؤمنين ، لأن ذلك لا يساعد عليه التدين بالدين . ومن ثم كان قوله :
فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا
جوابا للشرطين كليهما . أي يقدر للشرط الثاني جواب مماثل لجواب الشرط الأول . هذا هو محمل الآية وما حاوله كثير من المفسرين خروج عن مهيع الكلام .
وقد كان صادق إيمانهم مع نور الأمر النبوي الذي واجههم به نبيئهم مسرعا بهم إلى التجرد عن التخوف والمصانعة ، وإلى عقد العزم على التوكل على اللّه ، فلذلك بادروا بجوابه بكلمة
عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا
مشتملة على خصوصية القصر المقتضي تجردهم عن التوكل على غير اللّه تعالى .
وأشير إلى مبادرتهم بأن عطفت جملة قولهم ذلك على مقالة موسى بفاء التعقيب خلافا للأسلوب الغالب في حكاية جمل الأقوال الجارية في المحاورات أن تكون غير